الصَّحَابَةِ وَجَاءَتْ الْفُتْيَا عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ تَرَكْتُمْ مَا جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَأَخَذْتُمْ بِمَا أَفْتَى بِهِ الْأَئِمَّةُ , فَهَلَّا كَانَ رَايُ الصَّحَابَةِ لَكُمْ خَيْرًا مِنْ رَايِ الْأَئِمَّةِ لَكُمْ لَوْ نَصَحْتُمْ أَنْفُسَكُمْ. الثَّانِي: أَنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ صِحَّةَ تَقْلِيدِ مَنْ سِوَى الصَّحَابَةِ ; لِمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ وَالْفَضْلِ وَالْفِقْهِ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِمْ وَشَاهَدُوا الْوَحْيَ وَالتَّلَقِّي عَنْ الرَّسُولِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَنُزُولِ الْوَحْيِ بِلُغَتِهِمْ وَهِيَ غَضَّةٌ مَحْضَةٌ لَمْ تَشِبَّ , وَمُرَاجَعَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى يُجْلِيَهُ لَهُمْ ; فَمَنْ لَهُ هَذِهِ الْمَزِيَّةُ بَعْدَهُمْ؟ وَمَنْ شَارَكَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ حَتَّى يُقَلَّدَ كَمَا يُقَلَّدُونَ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِ تَقْلِيدِهِ وَسُقُوطِ تَقْلِيدِهِمْ أَوْ تَحْرِيمِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ غُلَاتُهُمْ؟ وَتَاللَّهِ إنَّ بَيْنَ عِلْمِ الصَّحَابَةِ وَعِلْمِ مَنْ قَلَّدْتُمُوهُ مِنْ الْفَضْلِ كَمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ , فِي الرِّسَالَةِ الْقَدِيمَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَهُمْ وَذَكَرَ مِنْ تَعْظِيمِهِمْ وَفَضْلِهِمْ: وَهُمْ فَوْقَنَا فِي كُلِّ عِلْمٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ وَعَقْلٍ وَأَمْرٍ اسْتَدْرَكَ بِهِ عَلَيْهِمْ , وَآرَاؤُهُمْ لَنَا أَحْمَدُ وَأَوْلَى بِنَا مِنْ رَايِنَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَى الصَّحَابَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ , وَسَبَقَ لَهُمْ مِنْ الْفَضْلِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ مَا لَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُمْ , وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ﴿خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ﴾ , وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي , فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ﴾. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ اللَّهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ , ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَعْدَهُ فَرَأَى قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ , فَاخْتَارَهُمْ لِصُحْبَتِهِ , وَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ وَوُزَرَاءَ نَبِيِّهِ , فَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ , وَمَا رَأَوْهُ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ " وَقَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِاتِّبَاعِ سُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَبِالِاقْتِدَاءِ بِالْخَلِيفَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: ﴿كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمُنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم , وَشَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِابْنِ مَسْعُودٍ بِالْعِلْمِ , وَدَعَا لِابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنْ يُفَقِّهَهُ اللَّهُ فِي الدِّينِ وَيَعْلَمَهُ التَّاوِيلَ , وَضَمَّهُ إلَيْهِ مَرَّةً وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ﴾ وَتَأَوَّلَ عُمَرُ فِي الْمَنَامِ الْقَدَحَ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ حَتَّى رَأَى الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ وَأَوَّلَهُ بِالْعِلْمِ , وَأَخْبَرَ أَنَّ الْقَوْمَ إنْ أَطَاعُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَرْشُدُوا , وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ , وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ. وَقَالَ: ﴿رَضِيت لَكُمْ مَا رَضِيَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ﴾ , يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ , وَفَضَائِلُهُمْ وَمَنَاقِبُهُمْ وَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْعَمَلِ وَالْفَضْلِ , أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ , فَهَلْ يَسْتَوِي تَقْلِيدُ هَؤُلَاءِ وَتَقْلِيدُ مَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَا يُدَانِيهِمْ وَلَا يُقَارِبُهُمْ؟ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَلَّدْتُمُوهُ حُجَّةً , وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ بَلْ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ قَلَّدْتُمُوهُ أَنَّ أَقْوَالَ الصَّحَابَةِ حُجَّةٌ: يَجِبُ اتِّبَاعُهَا , وَيَحْرُمُ الْخُرُوجُ مِنْهَا كَمَا سَيَاتِي حِكَايَةُ أَلْفَاظِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ , وَأَبْلَغُهُمْ فِيهِ الشَّافِعِيُّ , وَنُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ مَذْهَبُهُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ , وَنَذْكُرُ نُصُوصَهُ فِي الْجَدِيدِ عَلَى ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ , وَأَنَّ مَنْ حَكَى عَنْهُ قَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّمَا حَكَى ذَلِكَ بِلَازِمِ قَوْلِهِ , لَا بِصَرِيحِهِ , وَإِنْ كَانَ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً فَقَبُولُ قَوْلِهِ حُجَّةٌ وَاجِبٌ مُتَعَيِّنٌ , وَقَبُولُ قَوْلِ مَنْ سِوَاهُ أَحْسَنُ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ سَائِغًا , فَقِيَاسُ أَحَدِ الْقَائِلِينَ عَلَى الْآخَرِ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ وَأَبْطَلَهُ.
[مَا رَكَزَهُ اللَّهُ فِي فِطْرِ عِبَادِهِ مِنْ تَقْلِيدِ الْأُسْتَاذِينَ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ التَّقْلِيدِ فِي الدِّينِ]: الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: قَوْلُكُمْ " وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي فِطَرِ الْعِبَادِ تَقْلِيدَ الْمُتَعَلِّمِينَ لِلْمُعَلِّمِينَ وَالْأُسْتَاذَيْنِ فِي جَمِيعِ الصَّنَائِعِ وَالْعُلُومِ إلَى الْآخِرَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ هَذَا حَقٌّ لَا يُنْكِرُهُ عَاقِلٌ , وَلَكِنْ كَيْفَ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ صِحَّةَ التَّقْلِيدِ فِي دِينِ اللَّهِ , وَقَبُولَ قَوْلِ الْمَتْبُوعِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ تُوجِبُ قَبُولَ قَوْلِهِ , وَتَقْدِيمَ قَوْلِهِ عَلَى قَوْلِ مَنْ هُوَ