إلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَتْرُكُوهَا لِآرَاءِ الرِّجَالِ وَلِقَوْلِ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ , وَقَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ: " إنَّ الصِّدِّيقَ أَنْزَلَهُ أَبًا " مُتَضَمِّنٌ لِلْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ مَعًا.
[لَيْسَ قَبُولُ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ تَقْلِيدًا لَهُ]
الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: قَوْلُكُمْ: " وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ , وَذَلِكَ تَقْلِيدٌ لَهُ " فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي آفَاتِ التَّقْلِيدِ غَيْرُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ لَكَفَى بِهِ بُطْلَانًا , وَهَلْ قَبِلْنَا قَوْلَ الشَّاهِدِ إلَّا بِنَصِّ كِتَابِ رَبِّنَا وَسُنَّةِ نَبِيِّنَا وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى قَبُولِ قَوْلِهِ ; فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ نَصَبَهُ حُجَّةً يَحْكُمُ الْحَاكِمُ بِهَا كَمَا يَحْكُمُ بِالْإِقْرَارِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْمُقِرِّ أَيْضًا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ , وَقَبُولُهُ تَقْلِيدٌ لَهُ , كَمَا سَمَّيْتُمْ قَبُولَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ تَقْلِيدًا , فَسَمَّوْهُ مَا شِئْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِذَلِكَ , وَجَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى الْأَحْكَامِ ; فَالْحَاكِمُ بِالشَّهَادَةِ وَالْإِقْرَارِ مُنَفِّذٌ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ , وَلَوْ تَرَكْنَا تَقْلِيدَ الشَّاهِدِ لَمْ يَلْزَمْ بِهِ حُكْمٌ , وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي بِالشَّاهِدِ وَبِالْإِقْرَارِ , وَذَلِكَ حُكْمٌ بِنَفْسِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَا بِالتَّقْلِيدِ ; فالاستدلالة بِذَلِكَ عَلَى التَّقْلِيدِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْإِعْرَاضِ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ , وَتَقْدِيمِ آرَاءِ الرِّجَالِ عَلَيْهَا , وَتَقْدِيمِ قَوْلِ الرَّجُلِ عَلَى مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ وَاطِّرَاحِ قَوْلِ مَنْ عَدَاهُ جُمْلَةً , مِنْ بَابِ قَلْبِ الْحَقَائِقِ وَانْتِكَاسِ الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ , وَبِالْجُمْلَةِ فَنَحْنُ إذَا قَبِلْنَا قَوْلَ الشَّاهِدِ لَمْ نَقْبَلْهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ شَهِدَ بِهِ , بَلْ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَنَا بِقَبُولِ قَوْلِهِ , فَأَنْتُمْ مَعَاشِرَ الْمُقَلِّدِينَ إذَا قَبِلْتُمْ قَوْلَ مَنْ قَلَّدْتُمُوهُ قَبِلْتُمُوهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ قَالَهُ أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِقَبُولِ قَوْلِهِ وَطَرْحِ قَوْلِ مَنْ سِوَاهُ.
[لَيْسَ مِنْ التَّقْلِيدِ قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِفِ وَنَحْوِهِ]
الْوَجْهُ السِّتُّونَ: قَوْلُكُمْ: " وَقَدْ جَاءَتْ الشَّرِيعَةُ بِقَبُولِ قَوْلِ الْقَائِفِ وَالْخَارِصِ وَالْقَاسِمِ وَالْمُقَوِّمِ وَالْحَاكِمِينَ بِالْمِثْلِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ , وَذَلِكَ تَقْلِيدٌ مَحْضٌ " أَتَعْنُونَ بِهِ أَنَّهُ تَقْلِيدٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي قَبُولِ أَقْوَالِهِمْ أَوْ تَقْلِيدٌ لَهُمْ فِيمَا يُخْبِرُونَ بِهِ؟ فَإِنْ عَنَيْتُمْ الْأَوَّلَ فَهُوَ بَاطِلٌ , وَإِنْ عَنَيْتُمْ الثَّانِيَ فَلَيْسَ فِيهِ مَا تَسْتَرْوِحُونَ إلَيْهِ مِنْ التَّقْلِيدِ الَّذِي قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهِ , وَقَبُولُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ مِنْ بَابِ قَبُولِ خَبَرِ الْمُخْبِرِ وَالشَّاهِدِ , لَا مِنْ بَابِ قَبُولِ الْفُتْيَا فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ قِيَامِ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّتِهَا , بَلْ لِمُجَرَّدِ إحْسَانِ الظَّنِّ بِقَائِلِهَا مَعَ تَجْوِيزِ الْخَطَأِ عَلَيْهِ , فَأَيْنَ قَبُولُ الْإِخْبَارِ وَالشَّهَادَاتِ وَالْأَقَارِيرِ إلَى التَّقْلِيدِ فِي الْفَتْوَى؟ , وَالْمُخْبِرُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ يُخْبِرُ عَنْ أَمْرٍ حِسِّيٍّ طَرِيقُ الْعِلْمِ بِهِ إدْرَاكُهُ بِالْحَوَاسِّ وَالْمَشَاعِرِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ , وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَبُولِ خَبَرِ الْمُخْبِرِ بِهِ إذَا كَانَ ظَاهِرَ الصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ. وَطَرْدُ هَذَا , وَنَظِيرُهُ قَبُولُ خَبَرِ الْمُخْبِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ قَالَ أَوْ فَعَلَ , وَقَبُولُ خَبَرِ الْمُخْبِرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ , وَهَلُمَّ جَرًّا ; فَهَذَا حَقٌّ لَا يُنَازِعُ فِيهِ أَحَدٌ. وَأَمَّا تَقْلِيدُ الرَّجُلِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ ظَنِّهِ فَلَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ ظَنُّهُ وَاجْتِهَادُهُ ; فَتَقْلِيدُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَقْلِيدِنَا لَهُ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنْ رُؤْيَتِهِ وَسَمَاعِهِ وَإِدْرَاكِهِ , فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يُوجِبُ عَلَيْنَا أَوْ يُسَوِّغُ لَنَا أَنْ نُفْتِيَ بِذَلِكَ أَوْ نَحْكُمَ بِهِ وَنُدِينَ اللَّهَ بِهِ , وَنَقُولُ: هَذَا هُوَ الْحَقُّ وَمَا خَالَفَهُ بَاطِلٌ , وَنَتْرُكُ لَهُ نُصُوصَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارَ الصَّحَابَةِ وَأَقْوَالَ مَنْ عَدَاهُ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ؟ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَقْلِيدُ الْأَعْمَى فِي الْقِبْلَةِ وَدُخُولِ الْوَقْتِ لِغَيْرِهِ , وَقَدْ كَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَلِّدَ غَيْرَهُ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ , وَيُقَالُ: أَصْبَحْت أَصْبَحْت , وَكَذَلِكَ تَقْلِيدُ النَّاسِ لِلْمُؤَذِّنِ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ , وَتَقْلِيدُ مَنْ فِي الْمَطْمُورَةِ لِمَنْ يُعْلِمُهُ بِأَوْقَاتِ الصَّلَاةِ وَالْفِطْرِ وَالصَّوْمِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ , وَمِنْ ذَلِكَ التَّقْلِيدُ فِي قَبُولِ التَّرْجَمَةِ فِي الرِّسَالَةِ وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْجَرْحِ. كُلُّ هَذَا مِنْ بَابِ الْأَخْبَارِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِقَبُولِ الْمُخْبِرِ بِهَا إذَا كَانَ عَدْلًا صَادِقًا , وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الْهَدِيَّةِ وَإِدْخَالِ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا , وَقَبُولِ خَبَرِ الْمَرْأَةِ ذِمِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مُسْلِمَةً