بِإِضْمَارٍ فَهَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِهِ مَا زَعَمَهُ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ مَعْنَى الْحَلْقِ إلَى قَوْلِهِ بِاعْتِبَارِ التَّحْدِيدِ. إمَّا يَدْفَعُ قَوْلَهُ لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِ الْفُصَحَاءِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الصِّحَاحِ الْمُبَيِّنِ لِلْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ وَقَوْلُهُ وَلَوْ وَقَعَ لَكَانَ مَجَازًا يَرُدُّهُ أَنَّهُ وَقَعَ كَمَا تَقَرَّرَ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ لَا يُقَالُ أَيْضًا وَقَعَ حَلْقُ رَاسِهِ فَمَا الرَّاجِحُ لِأَنَّا نَقُولُ حَلَقَ شَعْرَهُ لَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ وَلَا فِي احْتِيَاجِهِ لِتَقْدِيرٍ بِخِلَافِ حَلْق رَاسِهِ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْدِيرِ وَقَوْلُهُ كَمَا قَالُوهُ فِي آيَةِ الْمَسْحِ إلَخْ قَدْ تَقَرَّرَ غَيْرَ مَرَّةٍ بُطْلَانُ قِيَاسِ مَا هُنَا عَلَى الْمَسْحِ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَسْحِ ثُمَّ بِالرَّاسِ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ إجْمَاعًا سَوَاءٌ أُرِيدَ بِهِ الْبَشَرَةَ أَوْ الشَّعْرَ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِمَا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ الْمُسْتَشْكِلُ وَهُنَا لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ الْحَلْقِ بِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَشَرَةُ إلَّا بِتَقْدِيرٍ وَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّقْدِيرِ فَذَلِكَ الْمُقَدَّرُ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ. فَإِنْ قُلْت بَلْ يَقْتَضِيه لِأَنَّهُ مُضَافٌ فَيَعُمُّ قُلْت مِنْ أَيْنَ لَك أَنَّا إذَا أَضْمَرْنَاهُ يَكُونُ مُضَافًا بَلْ يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ نَكِرَةً مَقْطُوعَةً عَنْ الْإِضَافَةِ أَيْ شَعْرٌ مَنْ رُءُوسِكُمْ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ هُنَا يُنَافِي مَا أَوْجَبُوهُ لِأَنَّ الشَّعْرَ اسْمُ جِنْسٍ إلَخْ فَفِيهِ تَلْبِيسٌ وَتَمْوِيهٌ وَغَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إمَّا جَمْعِيٌّ أَوْ إفْرَادِيٌّ فَالْأَوَّلُ كَشَعْرٍ وَتَمُرُّ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ وَالثَّانِي كَمَاءٍ وَعَسَلٍ فِي حُكْمٍ الْمُفْرَدِ وَحِينَئِذٍ فَانْظُرْ إلَى مَا فِي غُضُونِ كَلَامِهِ هَذَا مِنْ الْإِيهَامِ وَالتَّمْوِيهِ سِيَّمَا قَوْلُهُ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ جَمْعٌ إلَخْ فَإِنَّا لَمْ نَقُلْ إنَّهُ جَمْعٌ عَلَى أَنَّ اللُّغَوِيِّينَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ جَمْعٌ وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ مَا عَلَيْهِ النُّحَاةُ وَالصَّرْفِيُّونَ وَهُوَ مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أَيْ جَمْعِيٌّ وَاسْمُ الْجِنْسِ الْجَمْعِيُّ فِي حُكْمِ الْجَمْعِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْأَئِمَّةُ. أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ عَدَدَ التُّرَابِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ إفْرَادِيٍّ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ لِأَنَّهُ سُمِعَ تُرَابَةٌ وَقَعَ ثَلَاثٌ وَحِينَئِذٍ بَطَلَ قَوْلُهُ فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ حَلْقُ شَعْرَة إلَخْ عَلَى أَنَّ لَنَا احْتِمَالًا بَعِيدًا بَلْ شَاذًّا لَا يُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ كَمَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ يُجْزِئُ حَلْقُ شَعْرَةٍ تَخْرِيجًا مِنْ لُزُومِ الْفِدْيَةِ بِحَلْقِهَا لَا لِمَا ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ لِأَنَّ مَدَارِكَ الْمُجْتَهِدِينَ تَنْبُو عَنْهُ وَغَلِطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا وَغَيْرُهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ تَخْرِيجَ الْمَسْحِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْحَلْقِ هُنَا فَأَوْجَبُوا مَسْحَ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ قِيَاسًا عَلَى لُزُومِ حَلْقِهَا. وَرَدَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ فِي الْحَلْقِ الشَّعْرُ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ مُحَلِّقِينَ شَعْرَ رُءُوسِكُمْ وَالشَّعْرُ أَقَلُّهُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ فِي الْحَلْقِ بِخِلَافِ الْمَسْحِ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنُوطٍ بِالشَّعْرِ وَيَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَمِنْ ثَمَّ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى تَضْعِيفِ هَذَا التَّخْرِيجِ وَتَزْيِيفِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ هَذَا الْكَلَامُ لَا يَنْفَعُهُ إذْ الْخَصْمُ يَقُولُ إلَخْ فَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَ الْخَصْمِ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي لَا يَنْفَعُهُ لِأَنَّهُ وَإِنْ سَلَّمَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ الْحَلْقُ الرُّبْعُ وَحَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ ذَلِكَ فَلَا يَضُرُّ لِأَنَّ حَلْقَ الرَّاسِ الْمُرَادَ بِهِ الْبَشَرَةُ غَيْرُ مُرَادٍ لِاسْتِحَالَتِهِ بِدُونِ الْمُضْمَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَيَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِهِ بُطْلَانُ إرَادَةِ الْكُلِّ الَّذِي زَعَمَهُ هَذَا الْخَصْمُ وَبُطْلَانُ قَوْلِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِعْمَالَ حَلْقِ الرَّاسِ فِي حَلْقِ الرُّبْعِ إلَخْ إذْ لَا مَجَازَ فِي ذَلِكَ بَلْ إسْنَادُهُ إلَى الشَّعْرِ حَقِيقَةٌ وَكَذَا إلَى ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْهُ أَوْ الْأَكْثَرِ وَإِنَّمَا الَّذِي يُسْأَلُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ سَبَبُ التَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثِ وَبِالرُّبْعِ. فَأَمَّا الثَّلَاثُ فَقَدْ وَجَّهْنَاهُ فِيمَا مَرَّ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَهِيَ الْمُتَيَقَّنَةُ وَمَا عَدَاهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْإِيجَابِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَأَمَّا الرُّبْعُ فَلَمْ يُبْدِ الْمُسْتَشْكِلُ عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ مَعْنَى يُعْتَدُّ بِهِ كَمَا يَاتِي وَقَوْلُهُ أَلَا تَرَى إلَخْ مُجَرَّدُ دَعْوَى بِلَا مُسْتَنَدٍ إلَيْهِ بَلْ كَلَامُهُمْ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِهَا وَمَنْ ذَا الَّذِي صَرَّحَ بِالتَّلَازُمِ بَيْنَ كَوْنِ التَّابِعِ بَدَلَ بَعْضٍ وَكَوْنِهِ مَجَازًا الْمُصَرَّحُ بِهِ كَلَامُ الْمُسْتَشْكِلِ هَذَا مِمَّا لَا قَائِلَ بِهِ فَعَلَى مَنْ ادَّعَاهُ بَيَانُهُ وَلَا تَظْفَرُ بِهِ وَمِمَّا يُبْطِلُهُ تَمْثِيلُهُمْ لِبَدَلِ الْبَعْضِ بِأَكَلْتُ الرَّغِيفَ أَكَلْت ثُلُثَهُ فَهَلْ هَذَا الثَّانِي مَجَازٌ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ عُكِسَ لَرُبَّمَا اسْتَقَامَ كَلَامُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ هُنَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ فِي الْبَدَلِ هُوَ الثَّانِي وَتَأَمَّلْ مَا فِي قَوْلِنَا الْأَصْلِيِّ مِنْ الْجَوَابِ عَلَى الْإِيرَادِ
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ١٣٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ١٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي