الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ بِمَعْنَى الْمُحَاكَاةِ فِي الْفِعْلِ , وَبِمَعْنَى التَّزْيِيفِ , أَيْ صِنَاعَةِ شَيْءٍ طِبْقًا لِلْأَصْلِ الْمُقَلَّدِ. وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مَاخُوذٌ مِنْ التَّقْلِيدِ لِلْمُجْتَهِدِينَ , لِأَنَّ الْمُقَلِّدَ يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِ الْمُقَلَّدِ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ وَجْهَهُ. وَالْأَمْرُ التَّقْلِيدِيُّ مَا يُفْعَلُ اتِّبَاعًا لِمَا كَانَ قَبْلُ , لَا بِنَاءً عَلَى فِكْرِ الْفَاعِلِ نَفْسِهِ , وَخِلَافُهُ الْأَمْرُ الْمُبْتَدَعُ. وَيَرِدُ التَّقْلِيدُ فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ: أَوَّلُهَا: تَقْلِيدُ الْوَالِي أَوْ الْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا , أَيْ تَوْلِيَتُهُمَا الْعَمَلَ , وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْلِيَةٌ). ثَانِيهَا: تَقْلِيدُ الْهَدْيِ بِجَعْلِ شَيْءٍ فِي رَقَبَتِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ. ثَالِثُهَا: تَقْلِيدُ التَّمَائِمِ وَنَحْوِهَا. رَابِعُهَا: التَّقْلِيدُ فِي الدِّينِ وَهُوَ الْأَخْذُ فِيهِ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ. أَوْ هُوَ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. (الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ): الْإِشْعَارُ: 2 - الْإِشْعَارُ حَزُّ سَنَامِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَسِيلَ مِنْهَا الدَّمُ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ لِلْكَعْبَةِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ.
ثَالِثًا: تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ: 10 - التَّقْلِيدُ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ , كَأَخْذِ الْعَامِّيِّ مِنْ الْمُجْتَهِدِ فَالرُّجُوعُ إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ تَقْلِيدًا , وَالرُّجُوعُ إلَى الْإِجْمَاعِ لَيْسَ تَقْلِيدًا كَذَلِكَ , لِأَنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ إلَى مَا هُوَ الْحُجَّةُ فِي نَفْسِهِ.
حُكْمُ التَّقْلِيدِ:
11 - أَهْلُ التَّقْلِيدِ لَيْسُوا طَبَقَةً مِنْ طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ , فَالْمُقَلِّدُ لَيْسَ فَقِيهًا , فَإِنَّ الْفِقْهَ مَمْدُوحٌ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالتَّقْلِيدُ مَذْمُومٌ , وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنْ التَّقْصِيرِ.
أ - حُكْمُ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ: 12 - التَّقْلِيدُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْعَقَائِدِ , كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيِّتِهِ وَوُجُوبِ إفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ , وَمَعْرِفَةِ صِدْقِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَالتَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ الْمُؤَدِّي إلَى الْعِلْمِ وَإِلَى طُمَانِينَةِ الْقَلْبِ , وَمَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ ذَلِكَ. وَمِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ لِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ التَّقْلِيدَ فِي الْعَقِيدَةِ بِمِثْلِ قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ , وَلَمَّا نَزَلَ قوله تعالى: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ. وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا﴾. وَلِأَنَّ الْمُقَلِّدَ فِي ذَلِكَ يَجُوزُ الْخَطَأُ عَلَى مُقَلَّدِهِ , وَيَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِي إخْبَارِهِ , وَلَا يَكْفِي التَّعْوِيلُ فِي ذَلِكَ عَلَى سُكُونِ النَّفْسِ إلَى صِدْقِ الْمُقَلَّدِ , إذْ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ سُكُونِ أَنْفُسِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَلَّدُوا أَسْلَافَهُمْ وَسَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ , فَعَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالتَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ , وَنُسِبَ ذَلِكَ إلَى الظَّاهِرِيَّةِ. ثُمَّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ يُلْحَقُ بِالْعَقَائِدِ فِي هَذَا الْأَمْرِ كُلُّ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ , فَلَا تَقْلِيدَ فِيهِ , لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ يَحْصُلُ بِالتَّوَاتُرِ وَالْإِجْمَاعِ , وَمِنْ ذَلِكَ الْأَخْذُ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسَةِ.
ب - حُكْمُ التَّقْلِيدِ فِي الْفُرُوعِ:
13 - اُخْتُلِفَ فِي التَّقْلِيدِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى رَايَيْنِ: الْأَوَّلُ: جَوَازُ التَّقْلِيدِ فِيهَا وَهُوَ رَايُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ , قَالُوا: لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِيهَا إمَّا مُصِيبٌ وَإِمَّا مُخْطِئٌ مُثَابٌ غَيْرُ آثِمٍ , فَجَازَ التَّقْلِيدُ فِيهَا , بَلْ وَجَبَ عَلَى الْعَامِّيِّ ذَلِكَ , لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْعَمَلِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ , وَقَدْ يَكُونُ فِي الْأَدِلَّةِ عَلَيْهَا خَفَاءٌ يُحْوِجُ إلَى النَّظَرِ وَالِاجْتِهَادِ , وَتَكْلِيفُ الْعَوَّامِ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ يُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ , وَتَعْطِيلِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ , فَيُؤَدِّي إلَى الْخَرَابِ , وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم كَانَ يُفْتِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا , وَيُفْتُونَ غَيْرَهُمْ , وَلَا يَامُرُونَهُمْ بِنَيْلِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ فِي قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. الثَّانِي: إنَّ التَّقْلِيدَ مُحَرَّمٌ لَا يَجُوزُ. قَالَ بِذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ , وَابْنُ الْقَيِّمِ , وَالشَّوْكَانِيُّ , وَغَيْرُهُمْ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى