مَاخُوذٌ مِنْ صَرِيحِ الْآيَاتِ أَوْ الْأَخْبَارِ أَوْ الْآثَارِ , وَمِنْهُ مَا هُوَ مَاخُوذٌ مِنْ الْمَنْطُوقِ أَوْ مِنْ الْمَفْهُومِ فَمِنْ أَقْوَالِهِمْ مَا هُوَ قَرِيبٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ أَقْرَبُ وَمِنْهَا مَا هُوَ بَعِيدٌ وَمِنْهَا مَا هُوَ أَبْعَدُ وَمَرْجِعُهَا كُلُّهَا إلَى الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهَا مُقْتَبَسَةٌ مِنْ شُعَاعِ نُورِهَا وَمَا ثَمَّ لَنَا فَرْعٌ يَتَفَرَّعُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ أَبَدًا , وَإِنَّمَا الْعَالِمُ كُلَّمَا بَعُدَ عَنْ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ ضَعُفَ نُورُ أَقْوَالِهِ بِالنَّظَرِ إلَى نُورِ أَوَّلِ مُقْتَبِسٍ مِنْ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى مِمَّنْ قَرُبَ مِنْهَا وَكَانَ سَيِّدِي عَلِيٌّ الْخَوَّاصُ إذَا سَأَلَهُ إنْسَانٌ عَنْ التَّقَيُّدِ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ الْآنَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَا يَقُولُ يَجِبُ عَلَيْك التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ مَا دُمْتَ لَا تَصِلُ إلَى شُهُودِ عَيْنِ الشَّرِيعَةِ الْأُولَى فَهُنَاكَ لَا يَجِبُ عَلَيْك التَّقَيُّدُ بِمَذْهَبٍ لِأَنَّك تَرَى اتِّصَالَ جَمِيعِ مَذَاهِبِ الْمُجْتَهِدِينَ بِهَا وَلَيْسَ مَذْهَبٌ أَوْلَى بِهَا مِنْ مَذْهَبٍ وَيَرْجِعُ الْأَمْرُ عِنْدَك حِينَئِذٍ إلَى مَرْتَبَتَيْ التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ بِشَرْطِهِمَا انْتَهَى. وَسَمِعْت شَيْخَنَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا رحمه الله تعالى يَقُولُ مِرَارًا عَيْنُ الشَّرِيعَةِ كَالْبَحْرِ فَمِنْ أَيِّ الْجَوَانِبِ اُغْتُرِفَ مِنْهُ فَهُوَ وَاحِدٌ وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ إيَّاكُمْ أَنْ تُبَادِرُوا إلَى الْإِنْكَارِ عَلَى قَوْلِ مُجْتَهِدٍ أَوْ تَخْطِئَتِهِ إلَّا بَعْدَ إحَاطَتِكُمْ بِأَمْثِلَةِ الشَّرِيعَةِ كُلِّهَا وَمَعْرِفَتِكُمْ بِجَمِيعِ لُغَاتِ الْعَرَبِ الَّتِي احْتَوَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ وَمَعْرِفَتِكُمْ بِمَعَانِيهَا وَطُرُقِهَا فَإِذَا أَحَطْتُمْ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَا وَلَمْ تَجِدُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ الَّذِي أَنْكَرْتُمُوهُ فِيهَا فَحِينَئِذٍ لَكُمْ الْإِنْكَارُ , وَأَنَّى لَكُمْ بِذَلِكَ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا ﴿إنَّ شَرِيعَتِي جَاءَتْ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ طَرِيقَةٍ مَا سَلَكَ أَحَدٌ طَرِيقَةً مِنْهَا إلَّا نَجَا , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وفي رد المحتار:
بَابُ التَّعْزِيرِ (هُوَ) لُغَةً التَّادِيبُ مُطْلَقًا , وَقَوْلُ الْقَامُوسِ إنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى ضَرْبِهِ دُونَ الْحَدِّ غَلَطٌ نَهَرٌ. وَشَرْعًا (تَادِيبٌ دُونَ الْحَدِّ أَكْثَرُهُ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ سَوْطًا , وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ) لَوْ بِالضَّرْبِ , وَجَعَلَهُ فِي الدُّرَرِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاتِبَ وَكُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ تَفْوِيضِهِ لِلْحَاكِمِ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى إطْلَاقِهَا , فَإِنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْأَشْرَافِ لَوْ ضَرَبَ غَيْرَهُ فَأَدْمَاهُ لَا يَكْفِي تَعْزِيرُهُ بِالْإِعْلَامِ , وَأَرَى أَنَّهُ بِالضَّرْبِ صَوَابٌ (وَلَا يُفَرِّقُ الضَّرْبَ فِيهِ) وَقِيلَ يُفَرِّقُ. وَوُفِّقَ بِأَنَّهُ إنْ بَلَغَ أَقْصَاهُ يُفَرِّقُ وَإِلَّا لَا شَرْحُ وَهْبَانِيَّةٍ (وَيَكُونُ بِهِ وَ) بِالْحَبْسِ وَ (بِالصَّفْعِ) عَلَى الْعُنُقِ (وَفَرْكِ الْأُذُنِ , وَبِالْكَلَامِ الْعَنِيفِ , وَبِنَظَرِ الْقَاضِي لَهُ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ , وَشَتْمٍ غَيْرِ الْقَذْفِ) مُجْتَبَى وَفِيهِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ: لَا يُبَاحُ بِالصَّفْعِ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْلَى مَا يَكُونُ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ , فَيُصَانُ عَنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ (لَا بِأَخْذِ مَالٍ فِي الْمَذْهَبِ) بَحْرٌ. وَفِيهِ عَنْ الْبَزَّازِيَّةِ: وَقِيلَ يَجُوزُ , وَمَعْنَاهُ أَنْ يُمْسِكَهُ مُدَّةً لِيَنْزَجِرَ ثُمَّ يُعِيدَهُ لَهُ , فَإِنْ أَيِسَ مِنْ تَوْبَتِهِ صَرَفَهُ إلَى مَا يَرَى. وَفِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ.
بَابُ التَّعْزِيرِ لَمَّا ذَكَرَ الزَّوَاجِرَ الْمُقَدَّرَةَ شَرَعَ فِي غَيْرِ الْمُقَدَّرَةِ , وَأَخَّرَهَا لِضَعْفِهَا , وَأَلْحَقَهُ بِالْحُدُودِ مَعَ أَنَّ مِنْهُ مَحْضَ حَقِّ الْعَبْدِ لِمَا أَنَّهُ عُقُوبَةٌ , وَتَمَامُهُ فِي النَّهْرِ (قَوْلُهُ هُوَ لُغَةً التَّادِيبُ مُطْلَقًا) أَيْ بِضَرْبٍ وَغَيْرِهِ دُونَ الْحَدِّ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ. وَيُطْلَقُ عَلَى التَّفْخِيمِ وَالتَّعْظِيمِ , وَمِنْهُ - ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ - فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَضْدَادِ (قَوْلُهُ غَلَطٌ) لِأَنَّ هَذَا وَضْعٌ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ إذْ لَمْ يُعْرَفْ إلَّا مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ , فَكَيْفَ نُسِبَ لِأَهْلِ اللُّغَةِ الْجَاهِلِينَ بِذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ. وَاَلَّذِي فِي الصِّحَاحِ بَعْدَ تَفْسِيرِهِ بِالضَّرْبِ , وَمِنْهُ سُمِّيَ ضَرْبُ مَا دُونَ الْحَدِّ تَعْزِيرًا , فَأَشَارَ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْقُولَةٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ بِزِيَادَةِ قَيْدٍ هُوَ كَوْنُ ذَلِكَ الضَّرْبِ دُونَ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ , فَهُوَ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا الْمَنْقُولَةِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فِيهَا وَزِيَادَةٍ , وَهَذِهِ دَقِيقَةٌ مُهِمَّةٌ تَفَطَّنَ لَهَا صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَغَفَلَ عَنْهَا صَاحِبُ الْقَامُوسِ , وَقَدْ وَقَعَ لَهُ نَظِيرُ ذَلِكَ كَثِيرًا وَهُوَ غَلَطٌ يَتَعَيَّنُ التَّفَطُّنُ لَهُ. ا هـ. نَهْرٌ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ. وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ الْأَلْفَاظَ اللُّغَوِيَّةَ فَقَطْ , بَلْ يَذْكُرُ الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةَ وَالِاصْطِلَاحِيَّة وَكَذَا