أَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ وَالسُّؤَالُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. انْتَهَى. وَأَمَّا تَحْرِيمُهُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ , فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يَعْنِي كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ بِالِاسْتِنْبَاطِ وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ لَمَّا ﴿قَالَ لَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: بِمَ تَحْكُمُ؟ قَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ قَالَ: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ , قَالَ أَجْتَهِدُ رَايِي وَلَا آلُو فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِهِ , إلَى مَا يَرْضَاهُ رَسُولُ اللَّهِ﴾. قَالُوا فَصَوَّبَهُ فِي ذَلِكَ , وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ جُمْلَتِهِ التَّقْلِيدَ , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ يَحْرُمُ عَلَى الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ , وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. قَالَ الْمُزَنِيّ فِي كِتَابِهِ فَسَادِ التَّاوِيلِ ": تَوْفِيقُ اللَّهِ تَعَالَى لِمُعَاذٍ فِي اجْتِهَادِهِ لِمَا يَرْضَاهُ رَسُولُهُ عِنْدَنَا إنَّمَا هُوَ لِنَظَرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَوْ كَانَ تَاوِيلُهُ أَفَرْضَ مَا رَأَيْت فِي الْحَادِثَةِ , لَوَجَبَ فَرْضُ ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ , قَالَ: وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ التَّقْلِيدَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وَفِي الْحَدِيثِ ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا وَإِنَّمَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ﴾ قَالَ: وَيُقَالُ لِمَنْ حَكَمَ بِالتَّقْلِيدِ: هَلْ لَك مِنْ حُجَّةٍ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ , أُبْطِلَ التَّقْلِيدُ , لِأَنَّ الْحُجَّةَ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ عِنْدَهُ لَا التَّقْلِيدَ وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ , قِيلَ لَهُ: فَلِمَ أَرَقْت الدِّمَاءَ , وَأَبَحْت الْفُرُوجَ وَالْأَمْوَالَ , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ. فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنِّي قَدْ أَصَبْت , وَإِنْ لَمْ أَعْرِفْ الْحُجَّةَ , لِأَنَّ مُعَلِّمِي مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ. قِيلَ لَهُ: تَقْلِيدُ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِك أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ مُعَلِّمِك , لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ إلَّا بِحُجَّةٍ خَفِيَتْ عَنْ مُعَلِّمِهِ كَمَا لَمْ يَقُلْ مُعَلِّمُك إلَّا بِحُجَّةٍ قَدْ خَفِيَتْ عَنْك , فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ تَرَكَ تَقْلِيدَ مُعَلِّمِهِ إلَى تَقْلِيدِ مُعَلِّمِ مُعَلِّمِهِ , وَكَذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْعَالِمِ مِنْ الصَّحَابَةِ , فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ نُقِضَ قَوْلُهُ , وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ وَأَقَلُّ عِلْمًا , وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ وَأَغْزَرُ عِلْمًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ﴿رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ حَذَّرَ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ﴾. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ. رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ ﴿: لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ , رَجُلًا , فَإِنْ آمَنَ آمَنَ وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشَّرِّ﴾. وَأَمَّا وُجُوبُهُ عَلَى الْعَامَّةِ , فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ فَأَمَرَ بِقَبُولِ قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ , وَلَوْلَا أَنَّهُ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ لَمَا كَانَ لِلنِّذَارَةِ مَعْنًى , وَلِقَضِيَّةِ الَّذِي شُجَّ , فَأَمَرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ , وَقَالُوا: لَسْنَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً فَاغْتَسَلَ وَمَاتَ فَقَالَ النَّبِيُّ عليه السلام: ﴿قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ , إنَّمَا كَانَ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ﴾ فَبَانَ بِذَلِكَ جَوَازُ التَّقْلِيدِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَلِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الَّتِي إذَا قَامَ بِهَا الْبَعْضُ , سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ , وَلَوْ مَنَعْنَا التَّقْلِيدَ , لَأَفْضَى إلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ. وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ , فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُفْتُونَ الْعَوَامَّ , وَلَا يَامُرُونَهُمْ بِنَيْلِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ , وَلِأَنَّ الَّذِي يَذْكُرُهُ الْمُجْتَهِدُ لَهُ مِنْ الدَّلِيلِ , إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي فِي الْحُكْمِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ , وَإِنْ كَانَ يَذْكُرُ لَهُ مَا يَكْفِي , فَأَسْنَدَ إلَيْهِ الْحُكْمَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ , الْتَزَمَهُ قَطْعًا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْمَعَالِي عَزِيزِيُّ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ , فِي بَعْضِ مُؤَلَّفَاتِهِ: لَوْ وَجَبَ عَلَى الْكَافَّةِ التَّحْقِيقُ دُونَ التَّقْلِيدِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَعْطِيلِ الْمَعَاشِ , وَخَرَابِ الدُّنْيَا , فَجَازَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مُقَلِّدًا , وَبَعْضُهُمْ مُعَلِّمًا , وَبَعْضُهُمْ مُتَعَلِّمًا , وَلَمْ تَرْفَعْ دَرَجَةُ أَحَدٍ فِي الْجِنَانِ لِدَرَجَةِ الْعُلَمَاءِ وَالْمُتَعَلِّمِينَ ثُمَّ دَرَجَةِ الْمُحِبِّينَ وَقَالَ: الْمَصِيرُ فِي الْمُوجِبِ لِتَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِلْعَالِمِ , عَدَمُ آلَةِ الِاسْتِنْبَاطِ وَتَعَذُّرُهَا عَلَيْهِ فِي الْحَالِ , وَالْتِمَاسُ أُصُولِ ذَلِكَ , فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى يَعْلَمَ جَمِيعَهَا , وَيَسْتَنْبِطَ مِنْهَا لَتَعَطَّلَتْ الْفَرَائِضُ مِنْ الْعَالِمِ حَتَّى يَصِيرُوا كُلُّهُمْ عُلَمَاءَ , وَهَذَا فَاسِدٌ , فَرَخَّصَ لَهُ فِي قَبُولِ قَوْلِ الْعَالِمِ الْبَاحِثِ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ قَوْلِ مَنْ هُوَ
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعة · الصفحة ١٠٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الاجتهاد والتقليد وتقليد غير الأئمة الأربعةص ١٠٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي