وهذا ما يؤكده إمام الحرمين الجويني في اشتراطه للمتصدي للاجتهاد فيقول: «لست أعرف خلافاً بين المسلمين أن الشرط أن يكون المستناب لفصل الخصومات والحكومات فطناً، متميزاً عن رعاع الناس، ومعدوداً من الأكياس، ولا بد أن يفهم الواقعة المرفوعة إليه على حقيقتها، ويتفطن لمواطن الإعضال، وموضع السؤال، ومحل الإشكال منها ثم يتخير مفتياً، ويعتقد أن قوله في حقه بمثابة قول الرسول في حق الذين عاصروه فيتخذه قدوة وأسوة».([43])
وهذا ما أكده ابن القيم أيضاً عند شرحه لقول الفاروق رضي الله عنه في رسالته لأبي موسى الأشعري: «فافهم إذا أدلي إليك» فقال: «صحة الفهم وحسن المقصد من أعظم نعم الله تعالى التي أنعم بها على عبده...ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:
أحدهما فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط بها علماً.
والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر...فالعالم من توصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله...ومن تأمل الشريعة وأقضية الصحابة وجدها طافحة بهذا، ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم».([44])
وهذه المعرفة بالوقائع ضرورية للكشف عن مدى تحقق المقصد في أفراد هذه الوقائع أوعدم حصوله، وإن كان هذا يُعد إشكالاً؛ إذ كيف يمكن معرفة ذلك قبل وقوع أسبابه «لأن تلك الحكمة لا توجد إلا ثانياً عن وقوع السبب، أي بعد تنزيل الحكم على الواقعة، فنحن قبل وقوع السبب جاهلون بوقوعها أو عدم وقوعها»([45])، بيد أن الأمر يتطلب تسديداً وتقريباً، ومن ثم فإن هناك من المسالك الشرعية ما يعين على تبين ذلك، والتي سيأتي تفصيلها في العناصر الآتية:
أولاً: التفريق بين المقاصد والوسائل: