فيما روي عن الصحابة رضي الله عنهم ما لا يكاد يحصى من صور وأمثلة تحقيق المناط في اجتهاداتهم وفتاويهم.. ومن ذلك:
1- ما أُثِر عن علي رضي الله عنه أنه قال: «حدِّثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكَّذب الُله ورسولُه، وفي رواية: حدثوا الناس بما يعرفون ولا تحدثوهم بما ينكرون فيكذبوا الله ورسوله»([91])، فجعل إلقاء العلم مقَيَّداً، فرب مسألة تصلح لقوم دون قوم.
2- مارواه يزيد بن هارون عن أبي مالك الأشجعي عن سعد بن عبيدة قال: «جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألمن قتل مؤمناً متعمداً توبة؟ قال: لا، إلا النار. قال فلما ذهب قال له جلساؤه: أهكذا كنت تفتينا؟ كنت تفتينا أن لمن قتل توبة مقبولة؟ قال: إني لأحسبه رجلاً مغضباً يريد أن يقتل رجلاً مؤمناً. قال: فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك. »([92])، فأدرك ابن عباس بثاقب بصيرته خصوصية عارض الغضب على ذلك الشخص، وأن حاله يقتضي استدعاء حكم آخر لنشوء مناط يختلف عن المناط العام للتوبة أصالة؛ لكون ظاهرة الغضب تنمُّ عن نية الإقدام على جريمة القتل المحرم، والسؤال لم يكن غير التماس للمبرر الشرعي من المفتي، مما حمل ابن عباس على مراعاة الاقتضاء التبعي لدليل التوبة بدلاً من الاقتضاء الأصلي لحكم التوبة النصوح.
وعلى العكس من ذلك حال المستفتي الذي تعتريه حالة اليأس والقنوط من رحمة الله لاستعظامه توبة الله عليه، وهو تائب فعلاً، فهذا ينبغي مراعاة حاله، وفتح باب الأمل أمامه بأن الله تعالى يغفر الذنوب جميعاً إلا الشرك، وأن حكم التوبة بالنسبة لهذا يجري عليه اقتضاء حكمها أصالة لانتفاء العوارض المنافية لها.([93])
ثالثاً: جريان التطبيق الفقهي لأحكام كثيرة بناء على هذا الأصل: