وبالنظر والدراسة والمراجعة الدقيقة لما كتب حول الاجتهاد التطبيقي، من الشاطبي إلى الدريني، وما بينهما وما بعدهما، يمكن القول: إن الأصول الكلية في الاجتهاد التطبيقي تبقى أبرز مكونات منهج التطبيق؛ ويبقى الشاطبي أولَ من ضمّن أصول الاجتهاد التطبيقي في كتاباته، كما يبقى الدكتور محمد فتحي الدريني، في كتاباته، أبرز من حاول الكشف عنها وتأكيدها عند الشاطبي وإعمالها في النهضة بالفقه الإسلامي في عصرنا الحاضر، مركزاً على أصلين هامين، وهما: التحقيق في مآلات الأفعال، والتحقيق في مناطات الأحكام، موضحاً أن: «النظر إلى نتائج التطبيق ومآلاته أصل من أصول التشريع»([10])
ويؤكد الدريني بذلك قول الإمام الشاطبي، رحمه الله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً»([11])، بل جعله أصلاً عتيداً تفرعت عليه قواعد تشريعية قامت عليها اجتهادات بالرأي واسعة المدى في مذاهب الأئمة.
وتعتبر هذه القواعد مسالك شرعية ضابطة لمآلات التطبيق وأبرزها قاعدة الذرائع وقاعدة الحيل. وهناك من اعتبر النظر في مآلات التطبيق مسلكاً من مسالك الاجتهاد المقاصدي في نظرية الشاطبي المقاصدية.([12])
وفي هذه الدراسة، حاولت الإسهام في الجهد العلمي المبذول في هذا المجال بمعالجة لأبرز أصول الاجتهاد التطبيقي (التنزيلي)، تحليلاً ومناقشة، من خلال التركيز على ضرورة فهم الواقع وكيفية إحكامه بالشرع.. فبيَّنت أنَّ تنزيلَ الأحكام الشرعية وتكييف الواقع الإنساني وفقاً لها هو ثمرة الخطاب الشرعي. وبقدر ما يكون هذا التطبيق قائماً على أصول منهجية فإنّه يحقق مقاصد الشريعة، ويجنب المجتهد مواقع الزلل في الفهم والتطبيق.
وتناولت هذا الموضوع من خلال بيان مفهوم الاجتهاد التطبيقي (التنزيلي)، وشرعيته، وضرورته، وتحديد مقوماته الأساسية، ليتناول بعد ذلك تفصيل الأصول التطبيقية مُرْدَفَة بنماذج تطبيقية لتَجلِية كيفيَّة إعمالها.
فكان الأصل الأول: