ونعاود القول: إن مثل هذه التوجهات والاجتهادات صوب استرداد دور الاجتهاد، والتدليل على أهميته في حياة الأمة الثقافية والاجتماعية، وحتى السياسية والاقتصادية، يعتبر دليل عافية وعلامة صحة وحيوية بعد هذا الجمود والانقطاع وسيادة التقليد على المستوى الجماعي والفردي.
إن التحول من حالة معرفة الأحكام الفقهية إلى مرحلة كيفية استنباط الأحكام وتنزيلها على الواقع، والتحول من الاجتهاد في إطار الحكم والنص إلى الاجتهاد في إطار المحل وتوافر شروط التنزيل، والتحول من مرحلة إثبات النص، الذي أخذت جهداً ووقتاً، على أهميته وضرورته، إلى إعمال النص في واقع الحياة ومسيرتها المستقبلية، هو المعادلة الصعبة التي تتطلب جهوداً متنوعة متكاملة وتخصصات معرفية متعددة، للعودة بالحياة إلى القيم الإسلامية، وإعادة القيم الإسلامية لحكم الحياة، وتحقيق سعادة الناس وإلحاق الرحمة بهم، تحقيقاً لمقاصد قوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَالَمِينَ)) (الأنبياء:107).
وهذا الكتاب.. وهو في أصله رسالة علمية تخصصية، يمكن أن يعتبر إحدى الخطوات التأصيلية الجادة والمهمة في عملية الإحياء والتجديد والتحريض الثقافي، التي أفردت لها سلسلة «كتاب الأمة»، على تاريخها الطويل، مساحات كبيرة، سواء في مجال الاجتهاد الفردي وتكوين الملكة الفقهية، أو في مجال الاجتهاد الجماعي والتشجيع على التشاور وتداول الرأي، والاجتهاد المقاصدي الذي يضبط العملية الاجتهادية بمقاصدها حتى لا يتحول الاجتهاد إلى آليات وقواعد مجردة بعيدة عن رؤية عن الأهداف.
وتعتبر مثل هذه التوجهات والاجتهادات صوب استرداد دور الاجتهاد، والتدليل على أهميته في حياة الأمة الثقافية والاجتماعية، وحتى السياسية والاقتصادية، دليل عافية وعلامة صحة وحيوية بعد هذا الجمود والانقطاع وسيادة التقليد على المستوى الجماعي والفردي.