تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتسعير في خلاصته تدبير اجتهادي مصلحي ضروري يضطلع به من نيط به توجيه السياسة الاقتصادية في الأمة حالة تعارض المصلحتين: الخاصة والعامة، ويفسح مجالاً لتدخل ولي الأمر في توجيه حرية العمل أو التجارة، أو تقييد ممارسة حق الملكية والعمل على وجه لا يضر بجماعة المسلمين وأوطانهم، سواء أكان ذلك وقت الأزمات والظروف الاستثنائية القائمة، أو في الأحوال العادية إذا أسيئ التصرف في حق الملك إلى حد يخلق مثل تلك الأزمات، وهذا التدخل تكليف مفروض على ولي الأمر؛ لأن تصرفه على الرعية منوط بالمصلحة التي هي أساس ولايته العامة.

كما أن التسعير تدبير وقائي يحول دون استغلال حاجة الناس بمنع الاحتكار وفرض التسعير الجبري، وهو في الوقت نفسه تدبير علاجي أيضاً، يعالج الأزمة إبان وقوعها، وذلك بفرض التسعير إذا عجز أولياء الأمر عن المحافظة على حقوق الناس والبلاد إلا به. وبذلك كانت المصلحة المتوقعة كالواقعة، من حيث جلب المنافع، ودرء الأضرار والمفاسد، عملاً بقاعدة: «الضرر يدفع بقدر الإمكان»، وقاعدة: «الضرر يزال»، وقاعدة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» وغيرها من القواعد.([22])

ثم إن التسعير كما يقول الدكتور الدريني في مذكراته: «آخر وسيلة يُلجَأ إليها حين العجز عن اتخاذ أي وسيلة أخرى لدفع الضرر العام، من جراء الاحتكار، أو التحكم في السعر، ويجب أن يشرع في الوقت وعلى الوجه الذي يغلب على الظن إفضاؤها إلى المقصود، أي يجب أن تكون مناسبة وملائمة... حتى إذا أفضت إلى ظلم أيٍّ من الفريقين منعت؛ لأن الظلم غير مشروع الوقوع، أو الإيقاع بحال من الأحوال».([23])

وعلى ولي الأمر أن يقدر الظروف، وينظر في المآلات والعواقب بمشورة أهل الخبرة والعلم.

وهكذا تبين أن وجوب إعمال وسيلة التسعير مرتبط بشروط خلاصتها:

الاجتهاد التنزيلي · الصفحة ١٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الاجتهاد التنزيليص ١٠٣