وقد ذهب جماهير العلماء إلى تحريم التسعير الجبري في الأصل، واختلفوا فيما دعت إليه الحاجة العامة بين محرم بإطلاق، وقائل بالجواز (الحنفية)([11])، وموجب له عند اقتضاء المصلحة، وإلى هذا الأخير ذهب مالك في رواية أشهب، وبعض أئمة المذهب المالكي([12])، وهو مذهب متأخري الحنابلة.([13])
أدلة التسعير.. منعاً وجوازاً:
اعتمد المانعون للتسعير بإطلاق على كونه حجراً على حرية المُلاك المكفولة من قبل الشارع، وترجيح مصلحة المشتري الفردية على مصلحة البائع -رغم تساويهما في الاعتبار شرعاً-، فضلاً عن كون هذا التسعير منافياً لمبدأ التراضي في العقود([14])، يقول الشوكاني: «ووجهه -رأي تحريم التسعير- أن الناس مسلطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم. وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى:(( إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ )) (النساء:29)».
ثم كونه -كما يرى ابن قدامة المقدسي- سبباً رئيساً من أسباب التأزم الاقتصادي إذ يقول مؤيداً قول بعض أصحاب المذهب: «قال بعض أصحابنا التسعير سبب الغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعهم بلداً يُكرَهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع عن بيعها ويكتمها ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلاً، فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار، ويحصل الإضرار بالجانبين: جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه، فيكون حراما».([15])