ويستكمل الشيخ / الغزالي بيانه عن وسائل القرآن التي تسبب التأثير في النفس الانسانية فيقول : إن طبيعة هذا القرآن لا تلبث ان تقهر برودة الالف ، وطول المعرفة ، فتتعرى امامه النفوس ، وتنسلخ من تكلفها وتصنعها ، وتنزعج من ذهولها وركودها ، وتجد نفسها امام الله ـ جل شأنه ـ يحيطها ويناقشها ، ويعلمها ويؤدبها ، فما تستطيع امام صوت الحق المستعلن العميق الا ان تخشع وتصيخ (72) ثم يقول :
وكما قهر القرآن نوازع الجدل في الإنسان وسكن لجاجته ، تغلب على مشاعر المل فيه ، وامده بنشاط لا ينفد ، والجدل غير الملل ، هذا تحرك ذهني ، قد يجسد الاوهام ، ويحولها الى حقائق ، وهذا موات عاطفي ، قد يجمد المشاعر ، فما تكاد تتأثر بأخطر الحقائق ، وكثير من الناس يصلون في حيتهم العادية الى هذه المنزلة من الركود العاطفي ، فنجد لديهم برودا غريباً بازاء المثيرات العاصفة ، لا عن ثبات وجلادة ، بل عن موت قلوبهم ، وشلل حواسهم .
و القرآن الكريم ـ في تحدثه للنفس الانسانية ـ حارب هذا الملل وأقصاه عنها اقصاء ، وعمل على تجديد حياتهم بين الحين والحين ، حتى انه ليمكنها ان تستقبل في كل يوم ميلاداً جديداً . ﴿وكذلك انزله قراءناً عربياً وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون او يحدث لهم ذكرا﴾(73) .
ومن وسائل القرآن التأثيرية : الترغيب والترهيب ، يقول الغزالي :
(والشعور بالرغبة والرهبة والرقة تعمرك وانت تستمع الى قصص الاولين والآخرين تروى بلسان الحق ، ثم يتبعها فيض من المواعظ والحكم، والمغازي والعبر ، تقشعر منه الجلود) (74).
موانع تأثر النفس البشرية بالقرآن والانفعال به:
واخيراً فاننا نستطيع ان نلتقط من كلام الشيخ/ الغزالي بعض رؤاه العلمية العميقة التي يكشف من خلالها موانع تأثر النفوس البشرية بالقرآن والانفعال به ، وهو ما أشرنا اليه سابقاً في النقطة الرابعة ، يقول الغزالي فيما يؤكد هذه النقطة :