( ان كلمات القرآن التي كانت على فم الناس ، كان لها رحلة الى الملأ الاعلى من الارض الى السماء من أفواه الناس الى عالم الروح ، والحق والنور ، وهناك في هذا العالم ـ عالم الروح والحق والنور ـ عاشت تلك الكلمات دهراً طويلاً بين ملائكة ، وولدان ، وحور ، فنفضت عليها هذه الحياة الجديدة روحاً من روحها ، وجلالاً من جلالها ، ونوراً من نورها ، حتى اذا أذن لها الحكيم الخبير ان تعود أدراجها الى الارض وتلقى بأفواه الناس مرة أخرى ، وتطرق اسماعهم ، وتتصل بعقولهم وقلوبهم ، لم ينكروا شيئاً من وجودها ، وان سرى اليهم من هذا الوجود ما يخطف الابصار ويخلب الآلباب ، فالمؤمنون في شوق متجدد معه ، وفي خير متصل منه وفي عطاء موصول من ثمره ، كلما مدوا ايديهم اليه قطفوا من أدبه ادباً عالياً ، ومن علمه علماً نافعاً ، ومن شريعته دينا قيما ، وغير المؤمنين في عجب من أمره ودهش . يتناولونه بألسنة حداد ، ويرمونه بسهام مسنونة ، وبكيد عظيم . فما يصل اليه من كيدهم شيء) (59).
ان العبارة السابقة يحاول فيها الخطيب ان يضع ايدينا على هذا السر الذي جعل لكلمات القرآن على من يسمعه من الاثر الواضح ما لا نجده مما نسمعه من كلام آخر ، فكلمات القرآن قد رحلت الى الملأ الاعلى حينا من الزمن ، اعطاها هذا الرحيل سراٍ يخطف الابصار ، يوخلب الالباب ، ويجعل المؤمنين به في شوق دائم لسماعه ، وغير المؤمنين في عجب ودهش من أمره .
ويقول الدكتور الخطيب ـ معلقاً على كلام الامام الخطابي عن الاعجاز التأثيري للقرآن ، والذي سبق لنا ذكره ، والذي أثبتنا انه وجه اعجاز القرآن عنده ـ : (وهذا الوجه من وجوه الاعجاز هو ـ فيما ترى ـ المعجزة القائمة في القرآن ابدا ، الحاضرة في كل حين ، وهي التي تسع الناس جميعاً ، عالمهم وجاهلهم ، عربيهم وأعجميهم ، انسهم وجنهم ﴿قل أوحى الى انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءاناً عجباً﴾ (60) (61) .