سبق أن أشرت إلى أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - شاور أصحابه فأشاروا عليه بقتال من صدّهم عن المسجد الحرام، ودليل ذلك ما رواه البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - وفيه - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أشيروا أيها الناس علي أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله - عز وجل - قد قطع عينًا من المشركين وإلا تركناهم محروبين"، فقال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: "امضوا على اسم الله " (1) .
وفي الحديبية أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - البيعة من أصحابه على الموت وعلى ألا يفروا - كما سبق مفصلا - (2) ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن عزم على المضي إلى مكة وقتال من قاتله غيرّ موقفه فلماذا؟:
نجد الجواب فيما يرويه البخاري عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: وسار النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل (3) فألحت (4) فقالوا: خلأت (5) القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل، ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية (6) .
(1) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية 5/161.
(2) - وذلك في مبحث بيعة الرضوان.
(3) - كلمة تقال للناقة إذا تركت السير، فتح الباري 5/335.
(4) - أي: تمادت على عدم القيام، فتح الباري 5/335.
(5) - الخلاء للإبل كالحران للخيل، فتح الباري 5/335.
(6) - صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب 3/239.