تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكنني أقول لكم، لا في نوم الليل، بل في يقظة الظهيرة البالغة، إن الريح تخاطب السنديانة الجبارة بلهجة أحلى من اللهجة التي تخاطب بها أحقر أعشاب الأرض.

والعظيم العظيم ذلك الذي يحول هينمة الريح إلى أنشودة تزيدها محبته حلاوة وعذوبة.

أجل إن العمل هو الصورة الظاهرة للمحبة الكاملة.

فإذا لم تقدر أن تشتغل بمحبة وكنت متضجراً مملولا، فالأجدر بك أن تترك عملك وتجلس على درجات الهيكل تلتمس صدقة من العملةِ المشتغلين بفرح وطمأنينة لأنك إذا خبزت خبزاً وأنت لاتجد لك لذة في عملك، فإنما أنت تخبز علقماً لايشبع سوى نصف مجاعة الإنسان.

وإذا تذمرت وأنت تعصر عنبك. فإن تذمرك يدس لك سماً في الخمرة المستقطرة من ذلك العصير.

وإذا أنشدت أناشيد الملائكة، ولم تحب أن تكون منشداً. فإنما أنت تصم آذان الناس بأنغامك عن الإصغاء إلى أناشيد الليل وأناشيد النهار.

الرسالة عند الزيات: -

(وهكذا يحس قارئ مقالات الزيات أنه يكاد يكون أمام عمل هندسي مصمم بإحكام ومقسم بدقة وفنية ونظام، قد اعتنى صاحبه تقريباً بالحرف والمقطع والكلمة، مثل عنايته بالجملة والعبارة والفقرة، فلايكاد يتنافر حرف مع حرف، ولا يتصادم مقطع مع مقطع، ولا تخف كلمة وتثقل أخرى، ولا تطول عبارة وتقصر عبارة، ولا يوضع جزء من الجملة"نشازاً" دون جزء آخر يقابلة ويعادلة ويكون معه كلاً جمالياً أساسه التناسق والتناغم والتوافق) أنظرإلى قوله:

" شيع الناس بالأمس عاماً قالوا إنه نهاية الحرب، واستقبلوا اليوم عاماً يقولون إنه بداية السلم، وما كانت تلك الحرب التي حسبوها انتهت، ولا هذه السلم التي زعموها ابتدأت، إلا ظلمة أعقبها عمى، وإلا ظلاماً سيعقبه دمار ".

"حاربت الديمقراطية وحليفتها الشيوعية عدوتيهما الديكتاتورية، وزعمتا للناس أن أولهما تمثل الحرية والعدالة، وأخرهما تمثل الإخاء والمساواة، فالحرب بينهما وبين الديكتاتورية التي تمثل العلو في الارض والتعصب للجنس والتطلع للسعادة، إنما هي حرب بين الخير والشر، وصراع بين الحق والباطل، ثم أكدوا هذا الزعم بميثاق خطوة على مياه (الأطلسي) واتخذوا من الحريات الأربعة التي ضمنها هذا الميثاق مادة للدعاية شغلت الإذاعة والصحف والتمثيل أربع سنين كوامل، حتى وهم ضحايا القوة وفرائس الاستعمار إن الملائكة

الأدب العربي الحديث · الصفحة ١٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الأدب العربي الحديثص ١٤٥