تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْفَخْرَ عَلَى غَيْرِهِ لَا مُجَرَّدَ التَّجَمُّلِ، قَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْعُلُوُّ فِي الْأَرْضِ: التَّكَبُّرُ، وَطَلَبُ الشَّرَفِ وَالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ ذِي سُلْطَانِهَا، وَالْفَسَادُ: الْعَمَلُ بِالْمَعَاصِي.

وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَفُوقَهُ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ فِي الْجَمَالِ، فَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْحَاكِمُ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ مَالِكُ بْنُ مَرَارَةَ الرَّهَاوِيُّ، فَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ قُسِمَ لِي مِنَ الْجَمَالِ مَا تَرَى، فَمَا أُحِبُّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ فَضَلَنِي بِشِرَاكَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا، أَلَيْسَ ذَلِكَ هُوَ الْبَغْيُ؟ فَقَالَ: " لَا، لَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَغْيِ، وَلَكِنَّ الْبَغْيَ مَنْ بَطِرَ - أَوْ قَالَ: - سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ ".

وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنَاهُ، وَفِي حَدِيثِهِ: " الْكِبْرُ " بَدَلُ " الْبَغْيِ ".

فَنَفَى أَنْ يَكُونَ كَرَاهَتُهُ لِأَنْ يَفُوقَهُ أَحَدٌ فِي الْجَمَالِ بَغْيًا أَوْ كِبْرًا، وَفَسَّرَ الْكِبْرَ وَالْبَغْيَ بِبَطَرِ الْحَقِّ، وَهُوَ التَّكَبُّرُ عَلَيْهِ، وَالِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِهِ كِبْرًا إِذَا خَالَفَ هَوَاهُ، وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: التَّوَاضُعُ أَنَّ تَقْبَلَ الْحَقَّ مِنْ كُلِّ مَنْ جَاءَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، فَمَنْ قَبِلَ الْحَقَّ مِمَّنْ جَاءَ بِهِ، سَوَاءً كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، وَسَوَاءً كَانَ يُحِبُّهُ أَوْ لَا يُحِبُّهُ، فَهُوَ مُتَوَاضِعٌ، وَمَنْ أَبَى قَبُولَ الْحَقِّ تَعَاظُمًا عَلَيْهِ، فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ.

وَغَمْصُ النَّاسِ: هُوَ احْتِقَارُهُمْ وَازْدِرَاؤُهُمْ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى النَّفْسِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ، وَإِلَى غَيْرِهِ بِعَيْنِ النَّقْصِ.

وَفِي الْجُمْلَةِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُحِبَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُمْ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ رَأَى فِي أَخِيهِ الْمُسْلِمِ نَقْصًا فِي دِينِهِ، اجْتَهَدَ فِي إِصْلَاحِهِ.

أخلاقيات التاجر المسلم · الصفحة ١٦٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أخلاقيات التاجر المسلمص ١٦٦