ولقد تجسدت هذه الرحمة بهم في أسمى صورها في هذه الحادثة التي أخبر بها صاحبه أنسٌ - رضي الله عنه -، قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - :«وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ » ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ ، امْرَأَةِ قَيْنٍ (1) يُقَالُ لَهُ أَبُو سَيْفٍ ، فَانْطَلَقَ يَأْتِيهِ ، وَاتَّبَعْتُهُ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ قَدْ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا ، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُلْتُ : يَا أَبَا سَيْفٍ أَمْسِكْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَأَمْسَكَ ، فَدَعَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّبِيِّ ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، قَالَ أَنَسٌ : لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ(2) بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ :«تَدْمَعُ الْعَيْنُ ، وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا ، وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ»(3).
وأذكر أنّ عالماً قيل له : فقد الفضيل بن عياض رحمه الله بنته فضحك، فلما سئل قال : رضيت بما قضى الله به ، وفقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابنه فبكى ؟ والمراد : هل كان الفضيل أصبر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
فقال : إن الفضيل اتسع قلبه لعبودية واحدة ، هي عبودية الرضا بمرِّ القضا ، أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فلقد اتسع قلبه لأنواع من ذلك ، عبودية الرضا وعبودية الرحمة لهذا الصغير.
وكان - صلى الله عليه وسلم - يمازحهم :
(1) / حدَّاد .
(2) / يجود بها في لحظة النزع .
(3) / البخاري (1220) ، ومسلم (2315) .