قال الحافظ في الفتح: " إِذَا لَمْ نَشُكّ نَحْنُ فَإِبْرَاهِيم أَوْلَى أَنْ لَا يَشُكّ ، أَيْ لَوْ كَانَ الشَّكّ مُتَطَرِّفًا إِلَى الْأَنْبِيَاء لَكُنْت أَنَا أَحَقّ بِهِ مِنْهُمْ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَشُكّ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَمْ يَشُكّ . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا مِنْهُ ، أَوْ مِنْ قَبْل أَنْ يُعْلِمهُ اللَّه بِأَنَّهُ أَفْضَل مِنْ إِبْرَاهِيم» (1).
وفِي حَدِيث أَنَس عِنْد مُسْلِم " أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - : يَا خَيْر الْبَرِّيَّة. قَالَ :«ذَاكَ إِبْرَاهِيم» (2).
وعن ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ :«لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» (3).
قال النووي رحمه الله :" قال العلماء : هذه الأحاديث تحتمل وجهين : أحدهما أنه - صلى الله عليه وسلم - قال هذا قبل أن يعلم أنه أفضل من يونس، فلما علم ذلك قال :«أنا سيد ولد آدم» ولم يقل هنا إنَّ يونس أفضل منه أو من غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
والثاني أنه - صلى الله عليه وسلم - قال هذا زجراً عن أن يتخيل أحد من الجاهلين شيئاً من حط مرتبة يونس - صلى الله عليه وسلم - من أجل ما في القرآن العزيز من قصته. قال العلماء : وما جرى ليونس - صلى الله عليه وسلم - لم يحطَّه من النبوة مثقال ذرة، وخصَّ يونس بالذكر لما ذكرناه من ذكره في القرآن بما ذُكِر"(4).
…الحمد لله الذي وفق لإكمال هذا البحث ، وإن أردت أن ألخصه في جملة واحدة لأمكن ذلك ، ليس لبلاغةٍ ولا لقوةِ لغةٍ، ولكن لأن الله أجمل ذلك كلّه بقوله : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم:4].
(1) / الفتح (6/412) .
(2) / مسلم (2369) .
(3) / البخاري (3144) ، ومسلم (2376) .
(4) / شرح النووي على مسلم (15/132) .