ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) فبين الله سبحانه - منكرا على من حسب خلاف ذلك - أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد أن يبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم بـ (البأساء) وهي الحاجة والفاقة، و (الضراء) وهي الوجع والمرض و " الزلزال " وهي زلزلة العدو، فلما جاء الأحزاب عام الخندق فرأوهم، قالوا: (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله) وعلموا أن الله قد ابتلاهم بالزلزال، وأتاهم مثل الذين خلوا من قبلهم وما زادهم إلا إيمانا وتسليما لحكم الله وأمره، وهذه حال أقوام في هذه الغزوة: قالوا ذلك، وكذلك قوله: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه) أي عهده الذي عاهد الله عليه فقاتل حتى قتل أو عاش، و " النحب " النذر والعهد، وأصله من النحيب، وهو الصوت، ومنه: الانتحاب في البكاء وهو الصوت الذي تكلم به في العهد، ثم لما كان عهدهم هو نذرهم الصدق في اللقاء - ومن صدق في اللقاء فقد يقتل - صار يفهم من قوله: (قضى نحبه) أنه استشهد، لا سيما إذا كان النحب: نذر الصدق في جميع المواطن؛ فإنه لا يقضيه إلا بالموت، وقضاء النحب هو الوفاء بالعهد، كما قال تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه) أي أكمل الوفاء، وذلك لمن كان عهده مطلقا: بالموت أو القتل (ومنهم من ينتظر) قضاءه إذا كان قد وفى البعض فهو ينتظر تمام العهد، وأصل القضاء: الإتمام والإكمال (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما) بين الله سبحانه أنه أتى بالأحزاب ليجزي الصادقين بصدقهم حيث صدقوا في إيمانهم كما قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم: آمنا؛ لا من قال كما قالت الأعراب: آمنا والإيمان لم يدخل في قلوبهم؛ بل انقادوا واستسلموا، وأما المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذبهم وإما أن يتوب عليهم، فهذا حال الناس في الخندق وفي هذه الغزاة.
وأيضا فإن الله تعالى ابتلى الناس بهذه الفتنة ليجزي الصادقين بصدقهم وهم الثابتون الصابرون لينصروا الله ورسوله ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم، ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلق كثير من هؤلاء المذمومين؛ فإن منهم من ندم، والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد فتح الله للتوبة بابا من قبل المغرب عرضه أربعون سنة، لا يغلقه حتى تطلع الشمس من مغربها.