ثانيها : أن معناه يجعله مكان الغناء وبدلاً منه ، فيستديم تلاوته ، ويستطيبه كما يستطيب الغناء .
وثالثها : أن معناه يجهر به كما فسره الصحابي راوي الحديث ، وهذا أشبه وأقرب إلى الصواب لأن العرب تسمي كل من رفع صوته ووالى به غانيا ، وفعله ذلك غناء وإن لم يلحنه تلحين الغناء وعلى هذا فسره الصحابي وهو أعلم بالمقال (1) .
ومن هنا فقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى القول بأن معنى ( يتغنى به ) معناه يحسن قراءته ويترنم به ، ويرفع صوته به ، مستشهدين في ذلك بقول أبي موسى الأشعري للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لو علمت أن رسول - صلى الله عليه وسلم - يستمع قراءتي لحبرتها تحبيرا ) رداً على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى : لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود (2) .
وعلى كل فقد ثبت أن تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها أمر مستحب غير مكروه ، والأحاديث الواردة في ذلك محمولة على التحزين والتشويق ، قال بذلك أبو عبيد وأضاف : واختلفوا في القراءة بالألحان فكرهها مالك والجمهور لخروجها عما جاء القرآن له من الخشوع والتفهم ، فقد قال الإمام مالك رحمه الله : ينبغي أن تنزه أذكار الله وقراءة القرآن عن التشبه بأحوال أهل المجون والباطل ، فإنها حق ، وجد ، وصدق . والغناء هزل ولهو ولعب .
قال القرطبي وهذا الذي قاله مالك وجمهور العلماء هو الصحيح بدليل ما ذكر ، وبأدلة أخرى :
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ، للإمام الحافظ أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي ج/2/422 ، ح/667 .
(2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ج/9/115 باب حسن الصوت بالقراءة بالقرآن ح/5048 ، ومسلم بشرح النووي ج/6/321 ، ح/1849 .