وإذا اعتدى الزنوج بأقل إكراه على ساداتهم، أو على الأحرار، أو ارتكبوا أخف السرقات، فجزاؤهم القتل أو العقاب البدني بالأقل، وهذا دليل كاف على ما في القانون من الشدة التي ليس بعدها شدة، وإن الإنسان ليمتلئ غيظا وغضبا إذا ذكر أنواع العقاب التي كانت موضوعة للآبقين، فقد كان عقاب الإباق في المرة الأولى والثانية قطعا للآذان ومسحا بالسوق وكيا بالحديد المحمي، وفي الثالثة القتل.
ومهما بلغت شدة هذا القانون فإنها لا تنقص عن قانون المستعمرات الإنكليزية إذا قابلناها بها، فقد تقرر في مستعمرة الجاماييك وأنتيجوا
2
أن من أبق واستمر في إباقه أكثر من ستة شهور جزاؤه الإعدام.
ومن أسوأ الأحكام التي جاء بها المرسوم الصادر في مارس سنة 1685 أنه عندما يرتكب المالك أو الرئيس أية جناية على الرقيق، ولو كانت جناية القتل، يكون للقضاة الحرية في مراعاة أحوال البراءة، وأن يبرئوا ساحة المتهمين الغائبين من غير أن تكون هناك حاجة للاستحصال على العفو، وقد كتب هيليار دوبرتوي في (ملاحظاته على مستعمرة سان دومينج)
3
أن «المرسوم الصادر في سنة 1685 لا يمنع من هلاك الأرقاء في كل يوم بسبب تكبيلهم بالسلاسل أو جلدهم بالسياط، ولا من ضربهم ضرب التلف والإزهاق، ولا من إحراقهم عسفا واستبدادا، وكل هذه الفظائع يرتكبها القوم في المستعمرة، ولا رادع يردعهم، حتى إن كل ذي لون أبيض يعامل الأسود بالغلظة والقسوة ولا حرج عليه في ذلك، وإذا ألحق ضرر بعبد من العبيد، فالقضاة اعتادت عدم النظر إلى هذا الضرر إلا من حيث إنه ينقص من ثمن العبد المجني عليه».
وقد أيدت الجمعيات الاستعمارية في كل زمان هذه القاعدة، وهي أنه لا يسوغ للمتشرعين أن يتوسطوا ويتدخلوا بالشرائع بين العبد ومولاه، وكان الأحرار من ذوي الألوان محرومين من وظائف النفوذ والاعتبار.
بل قد صدرت أوامر متنوعة من نظارات الحكومة بمنع التوسع في تأويل مواد القانون الأسود، فمنها ما كان بالنهي عن البحث في الأوراق المثبتة أن صاحبها من طائفة الأشراف متى تزوج بامرأة امتزج بها دم الأرقاء، وكان مثل ذلك الرجل يعد غير جدير بأية وظيفة في المستعمرات، بل يعتبر ساقطا من درجة ذوي اللون الأبيض، ومنها ما كانت بتحريم حضور ذوي الألوان إلى بلاد فرنسا للتغذي بألبان المعارف واقتطاف ثمرات التأديب والتهذيب، ومنها ما تضمن عبارات صريحة هذا تعريفها: «إن حسن النظام مما يوجب عدم إقلال الصغار والاحتقار المرتبط بالجنس الأسود مهما كانت درجته ومنزلته، وقد صمم جلالة الملك على إبقاء الحكم الاعتباري الذي مقتضاه أن يحرم إلى أبد الآبدين ذوو الألوان وذريتهم من المزايا الخاصة بالجنس الأبيض.» (يناير سنة 1767).
هذا كله كان جاريا في أواخر القرن الثامن عشر قبل الثورة الفرنساوية، وما زالت مواد القانون الأسود تزداد شيئا فشيئا بما يصدر من مركز الحكومة أو جهات السلطة بالمستعمرات من الأوامر ومعظمها لم يقصد به ترقية حال الرقيق ولا تحسين درجته كما رأينا، وقد صار هذا القانون أساسا لتقرير الأحكام وسن النظام في الأملاك الفرنساوية وفي الجهات المستعمرة لها، إلى أن حصلت الثورة في فبراير سنة 1848 فعملت على إبطال الاسترقاق مرة واحدة، فكان لها بذلك فخر يذكر فيشكر.
أما القوانين القديمة الخاصة بذوي الألوان، وبالأرقاء في الولايات الجنوبية من بلاد أمريكا المتحدة، المعروفة أيضا بالقوانين السوداء، فكان فيها من الشدة والصرامة ما تنقبض له النفوس، وتنفر منه القلوب؛ فقد صرحت الشريعة في ولايات لويزيانا وكارولينا
4
وغيرهما من الولايات الجنوبية أن المولى «له حق المالك المطلق على عبده»؛ فله بيعه وإجارته ورهنه وخزنه وإجراء الجرد عليه، وأن يقامر عليه، وغير ذلك من الأعمال، ولما كان العبد مسلطا عليه أبدا كان من المحتوم عليه أن يحترم سيده وأعضاء عائلته احتراما ليس بعده احترام، ويطيعهم طاعة لا حد لها (يراجع القانون الأسود لولاية لويزيانا).