وكان الاسترقاق للعهد الأول بالتلصص في البحار، فكانوا يختطفون سكان السواحل لاسترقاقهم، ثم صارت المستعمرات اليونانية في آسيا الصغرى أسواقا عظيمة تباع فيها العبيد وتشرى، بل كانت أثينة
12
نفسها من أهم هذه الأسواق، ولم يكن لها من يزاحمها في هذه التجارة إلا بعض أسواق قديمة لقربها من موارد الرقيق، وذلك مثل قبرص وساموس، وخصوصا صاقس،
13
بل قيل إن سكان هذه الجزيرة هم أول من اتجر بالأرقاء والإماء.
وكان العبيد يعملون لمواليهم أو لأنفسهم، فإذا عملوا لأنفسهم كان عليهم أن يدفعوا لأسيادهم مبلغا معينا في كل يوم على سبيل جعالة يجعلونها لهم، بل يظهر أنه كان يوجد كثير من بني يونان ممن اشتروا العبدان، وخصصوهم للإجارة ليس إلا - ولعمري إن ذلك من أفضل الوجوه وأحسن الطرق في استعمال المال واستغلاله.
وكان العبيد قائمين في أثينة بخدمة المنازل أيضا ، ولم يكن في هذه المدينة رجل عضه الفقر وأخنى عليه الدهر حتى أحرمه من امتلاك عبد واحد على الأقل، يشغله في القيام بلوازم منزله.
وكان حق المولى على عبده لا يختلف في شيء من الأشياء عن حقه على سائر مملوكاته، فكان يجوز له رهنه
14
على أن حالة العبد عند اليونان لم تكن في الشدة والمقاساة مثلها عند أمة الرومان، وذلك فيما خلا مدينة إسبرطه؛
15
فقد قال المؤرخ پلوترك:
16 «إن الحر فيها كان أكثر الأحرار حرية، وإن الرقيق أكثر الأرقاء استرقاقا.»
وكان المولى منهم يعاقب عبده بالجلد بالسوط، وبالطحن على الرحى، وكان يكوي الآبق أو الوارد من البلاد المتبربرة
17
بالحديد المحمي على جبهته، على أن حياة الرقيق وشخصه كانا في كنف القانون ورعايته، فما كان يجوز إعدامه الحياة إلا بعد صدور الحكم القانوني عليه.
وقد كان يوجد بأثينة أناس من العتقى، ولكنهم ما كانوا يكتسبون الحقوق الوطنية، فكان مقامهم كالأغراب المتوطنين في البلاد ليس إلا، بل كانوا ملزمين بالولاء لمواليهم مدى الحياة، وأن يقوموا لهم بواجبات مفروضة، وكان هناك أرقاء عموميون تشتريهم الدولة للقيام ببعض الشئون، فمنهم فريق كان يناط به حفظ المدينة وخفارتها، فكان الواجب عليهم المحافظة على استتباب الأمن وتوطيد دعائم الراحة في الاجتماعات العمومية.
الفرع السابع: في الاسترقاق عند الرومانيين
إن العادة التي جرى عليها السلف في الأزمان القديمة من استعباد الأسارى كانت بالطبع متبعة أيضا عند الرومانيين، فكان العمل برومة
18
في مبدأ الأمر موكولا إلى العاملين الأحرار، ولذلك انبثت روح الشهامة والرجولية في جميع سكان هذه المدينة الشهيرة في مبادئ تاريخها، على أن هذه الحالة لم تبق على ما هي عليه، بل زالت بالمرة لاتساع نطاق المدينة، وتطرق وجوه الزخرف والبهرجة إليها، فكثر عدد الرقيق، ثم ازدادت لما توسعت رومة في الفتوحات وغزو البلاد، فوضع البطارقة
19
والأغنياء أيديهم على العبيد واستعملوهم في حراثة أراضيهم، ولم تلبث الصنائع والفنون الميكانيكية أن وقعت أيضا في أيدي الرقيق.
وكانت وجوه الاسترقاق برومة متعددة، فإنه فضلا عن استرقاق الأمم المغلوبة بالحرب واستعبادها كان هناك صنف آخر، وهم العبيد بالولادة؛ أي الذين يولدون من الأرقاء. وصنف ثالث من الأحرار الذين قضت عليهم بعض نصوص القانون بالوقوع تحت نير العبودية،
20
ولا حاجة للقول بأن الحرب كانت من أعظم موارد الاسترقاق عند الرومانيين، ولذلك كان النخاسون يرافقون الجيوش عادة، وكثيرا ما كان يتفق بيع آلاف من الأسارى بأثمان بخسة، وذلك عقب فوز عظيم في وقعة مهمة، وكانوا يسرقون الأطفال ليبيعوهم، والنساء ليتخذوهن لقضاء الفاحشة وارتكاب الفجور.
وكان الرومانيون يعتبرون هذه التجارة مخلة بالشرف مسقطة للاعتبار، ولكنها كانت تجارة رابحة ناجحة، وكان الذين يتعاطونها يحصلون على أموال طائلة، وثروة وافرة؛ فمنهم النخاس تورانيوس الذي كان في أيام أغسطس متمتعا بشهرة فائقة وصيت بعيد.