| فاتحة الكتاب
اتفق لي في أول يوليو سنة 1888 أن حضرت بكنيسة
1
سان سولبيس
2
في مدينة باريس، وسمعت نيافة
3
الكردينال
4
لافيجري
5
وهو يخطب بها على أهل تلك المدينة ويصف فظائع النخاسة بأفريقيا الوسطى، ويسوق لهم الحديث على الاسترقاق، وبساطته في البلاد الإسلامية، ولم يكتف نيافته بإدانة المتدينين بالدين المحمدي بهذا الأمر، بل نسب قبائحه إلى نصوص الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام.
ولما كانت هذه التهم لا أساس لها، ولا برهان ينهض عليها، وقد بثها في لوندرة وبروسل
6
دعاني حب الحقيقة إلى البحث عن هذا الموضوع في الكتب الدينية المعتبرة لدينا، المعول عليها عندنا، فأتاح لي الجد - بفضله تعالى - إقامة الحجة وإيراد الدليل على أن القرآن الشريف فوق كونه لم يعتبر الرقيق بمنزلة الحيوان، فقد جاء بكثير من النصوص والوصايا التي تفرض على المسلمين أن يحسنوا رعايته والعناية بشأنه، وأن تكون معاملتهم له بالحسنى والمرحمة، وهو أمر يجهله إلى الآن عامة الأوروپاويين، حتى القاطنين منهم بديار المشرق، اللهم إلا ما ندر، فإنه بديه أن مجرد السكنى في بلد من البلاد لا توقف الإنسان تمام الإيقاف على كنه شرائعها، بل يعوزه أيضا أن يكون عارفا حق المعرفة بلغة أهليها، ولا ريب في أن علماء المشرقيات المتوفرة فيهم هذه الصفات، هم أقل من القليل.
وأتعشم في وجه الله الكريم أن يجعل نتيجة بحثي تميط اللثام عن حقيقة هذه المسألة الخطيرة التي كثر اهتمام الحكومات والأفراد بها في هذه الأيام. •••
قبل الخوص في هذا الموضوع ينبغي لنا أن نأتي بالإيجاز وبوجه العموم على ذكر الاسترقاق عند الأمم:
الرق هو حرمان الشخص من حريته الطبيعية وصيرورته ملكا للغير.
7
قالوا: إن الاسترقاق ظهر منذ كان الاجتماع الإنساني، وهو قول في غاية الإصابة والسداد، فإنه ظهر حقيقة عندما وقعت الاجتماعات البشرية الأولى، أيام كان حجاب الجهالة مسدولا على عالم الفطرة، والذي أوجب حصول هذا الفعل هو أمر يسهل بسطه وإيراده ، وذلك أنه لما كان العمل من أصعب الضرورات وأشقاها أخذ الإنسان في البحث عما يخلصه من عنائه ومكابدته، فإذا بطلبته بين يديه عند الهيئة الاجتماعية، فإن القوي ألزم الضعيف بالاشتغال، ومن ذلك نشأ الاسترقاق.
ثم جاءت الحروب، وتولدت الأطماع، فبثت الاسترقاق في جميع أجزاء العالم، وعند معظم الأمم، وصار الناس لا يقتلون العدو، بل يبقون عليه ليعمل لهم. هذا، واعلم أن طبيعة الأقاليم - وهي من أقوى العوامل في إنماء الجمعيات البشرية - كان لها تأثير عظيم في زيادة الاسترقاق واتساع نطاقه، حتى إنه ما لبث أن بلغ عدد الأمم التي على البساطة والفطرة في جميع بلاد المشرق مبلغا عظيما، ودرجة قاصية، وانتشارا زائدا، فإن ثمن الرقيق كان زهيدا، وعمله مفيدا بالنظر إلى ما صارت إليه الصناعة والتجارة من التقدم والأهمية، ولقد كان الحال على خلاف هذا المنوال عند أمم الشمال، فإن تغذية الرقيق عندهم كانت تكلفهم مصرفا جسيما، ولم يكن لعمله كبير جدوى ولا فائدة، فلهذا كان الاسترقاق في بلاد الشمال منذ العصور الخوالي أقل انتشارا منه في جهات الجنوب من المعمورة، وهذا يدلنا على أن الاسترقاق هو من الأمور الاقتصادية التدبيرية المترتبة على العمل والاشتغال.
ولنبحث الآن في حالة الرقيق عند الأمم المختلفة واحدة واحدة.
| هوامش
الفصل الأول
| الاسترقاق في الأزمان القديمة
الفرع الأول: الاسترقاق عند قدماء المصريين
كان الرقيق في مصر عبارة عن آلة للعمل، وكان أيضا من الأشياء المعدة لمشاهد الزينة، ومظاهر الأبهة، فكان الأرقاء بقصور الملوك، وبيت الكهان، ودار المقاتلين. ثم إن الفاقة جعلت لسائر الأفراد سبيلا إلى امتلاك الأرقاء أيضا، وكان الاسترقاق عبارة عن الحق في إعدام الحياة والإبقاء عليها، وكان الأسارى على العموم أرقاء للدولة، يقومون بالأعمال والأشغال التي تستلزمها حاجات القطر، أو التي تدعو إليها موجبات زخرفته وتحسين هيئته، وفيما عدا هذه التشديدات الخاصة بالاستخدام في الصالح العام قد تحسنت حالة الرقيق وتلطفت كثيرا، فكان يجوز رفع الأمة إلى مقام الزوجة، ثم إن الأخلاق والعادات كانت تقضي بالشفقة على الرقيق والدفاع عنه، بل إن الشريعة كانت تجعل حوله سياجا يقيه من البغي والأذى، فقد نصت على أن من قتل الرقيق يقتل فيه.