كلمة على رياض باشا1
نص الخطبة التي ألقيت على قبر الفقيد في حفلة الأربعين
كلمة على رياض باشا1
نص الخطبة التي ألقيت على قبر الفقيد في حفلة الأربعين
| كلمة على رياض باشا
| كلمة على رياض باشا
| وصفحة من تاريخ مصر الحديث تتضمن خلاصة حياته
تأليف
أحمد زكي
وما ضرني أن قال أخطأت جاهل
إذا قال كل الناس أنت مصيب
رياض باشا من أكبر رجالات مصر المعدودين (توفي إلى رحمة الله يوم السبت 20 جمادى الثانية سنة 1329 / 17 يونية سنة 1911 بمدينة الإسكندرية).
| كلمة على رياض باشا1
عظماء الرجال هم الأمثلة الحية لمعاني الإنسانية.
فالحكمة، والشجاعة، والبلاغة، واستنباط العلوم، واختراع الآلات، وتدبير المال، وقيادة الجند، وسياسة الملك: كل هذه معان للإنسانية العامة تتقاسمها الأناسي تقاسما متفاوتا حتى تفنى في بعضهم، ولكن هذه المعاني السامية قد نراها مكبرة، معظمة، مجسمة، حتى نكاد نبصرها بالعين ونلمسها باليد في عظماء الرجال: من الفيلسوف، والشجاع، والكاتب، والعالم، والمخترع، والاقتصادي، والقائد، ومدبر أمور الجمهور.
أولئك الذين يظهرون في الوجود في أزمان متباينة وفي أقطار متنائية. أولئك الذين يلقون على أممهم المغتبطة بهم دروسا عالية في الإنسانية الفاضلة، دروسا واضحة جلية، فيجددون ما اندرس فيها من معاني الإنسانية، أو يكملونها فيهم إن كانت ناقصة، أو يظهرونها للعالم على أيديهم إن لم يكن قد سمح بها الزمان.
بمقدار نبوغ العظماء في كل أمة، قلة وكثرة، تكون منزلتها بين الشعوب رفعة وانحطاطا. بل على قدر وجودهم في الدنيا تكون عظمة العالم وتقدمه في مضمار الحضارة والعرفان.
أفلا ترون العالم الراقي مدينا في أخلاقه وحكومته ونظامه وصناعته وتجارته وأسباب رفاهيته إلى أفراد قلائل في الخلائق؟ قد كانت أفكارهم الثاقبة لقاحا للعقول، وأعمالهم الخصيبة بذورا صالحة وأغراسا مباركة لفائدة المجموع.
تلك المعاني الشريفة وتلك القوى الباهرة التي تتجلى على الناس من حين إلى حين في صور أشخاص عظام. وهي إنما تكون كامنة في النفوس المستعدة لهذا الفيض كمون الكهرباء في بعض الأجسام. فكما أن الدلك والحك يثيران الكهرباء، فكذلك تلك المعاني وتلك القوى يثيرها في بعض النفوس عاملان مؤثران:
أولهما:
تدوين سير هؤلاء الأعلام النبلاء وبيان الخطة التي ساروا عليها، فكانت سبب نجاحهم في الدنيا. لا جرم حينئذ أن من يأنس من نفسه القدرة على تحديهم أو اللحاق بهم يسعى فيحاكيهم أو يربو عليهم، أو يتمم عملهم إن كان قد أوتي حظا من نصيبهم.
وثانيهما:
إعراب المتمتعين بثمرات أولئك الأعيان عن شكرهم في السر والعلن، لصنيعهم الحسن، وفي خدمة الأمة والوطن. والإقرار بالفضل بعد الموت آثر عند الله والناس منه في حالة الحياة.
وليس من دليل على الوفاء لهم بعد وفاتهم أكثر أثرا وأحسن وقعا من تجديد ذكراهم وتمجيد آثارهم. فلعمري إن هذا الصنيع! فوق إحاطته بفضيلة الوفاء - وإن كانت قليلة في طباع الناس - لمما يحيي فكرة النبوغ في نفوس المستعدين، لا سيما إذا كان العظيم عصاميا. وجل العظماء عصاميون.
وإننا اليوم باجتماعنا - معاشر أعضاء المجمع العلمي المصري والجمعية الجغرافية الخديوية - لتأبين فقيد مصر العظيم رياض باشا؛ نفي بإحدى الحسنيين؛ فنحن نجاهر على رءوس الأشهاد وفي هذا الجمع الحافل الموقر باعترافنا الجميل، لذلك الراحل الجليل، الذي بكاه النيل وأبناء النيل.
أما تدوين سيرته الذكية الزاكية، وشرح أعماله العائدة بالفائدة على مصر الذاكية الذاكرة، فهو متروك لرجال التاريخ، وهم خير كفيل بحفظه وتوريثه لمن يخلفنا من الأجيال الآتية، ليكون نبراسا للبحث والتفكير والعمل. وقد سبق لهذا العاجز قيامه ببعض هذا الواجب
2
على ضريح الفقيد نضره الله بالروح والريحان!