تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وصلت أخبار هذه الحوادث إلى رومية وإلى فارس، فكان لها فيهما صدى متخالف متعاكس، فأما رومية فقد ابتهج فيها البابا غريغوريوس، وطلب من الله أن يأخذ بنصر فوقاس، وأن يشد أزره على عدوه، فكانت مكافأته على ذلك أن اعترف له قيصر الروم باللقب الذي طالما منى به نفسه، وهو «الأسقف العام».

وأما فارس فلم يكد يبلغها خبر هذا الانقلاب، حتى امتعض له أبرويز، وأخذته الحفيظة لصداقته مع موريق الذي كانت له عليه اليد البيضاء في إعادة ملك أجداده إليه، وقد التجأ إليه ابن موريق فآواه وأكرم مثواه ووعده برد الأمر إليه.

كذلك كان الحال في إفريقية، فإن هرقل الإكسرخس

Exarque

6 - أي الوالي أو العامل - بلغ منه الحزن منتهاه لتلويث الأرجوان الإمبراطوري بوضعه على جسم ذلك الدخيل فوقاس، فرفض دفع الجزية إليه وامتنع عن الاعتراف به، ومنع عنه الحبوب والغلال التي كانت ترسلها أفريقية إلى القسطنطينية؛ فسجن الإمبراطور في أحد الأديرة زوجة هرقل، واسمها إبيفانيا

Epiphanie ، وعروس ابنه، واسمها أودسيا

Eudossie ، فأراد هرقل أن يحاربه، ولكنه نظرا لشيخوخته ولعاهاته عهد بذلك إلى ابنه هرقل، فاتفق مع نقيطا

Nicétas

ابن عمه غريغور المستبد بأعمال سبيطلة في الحوز الجنوبي لتونس على غزو الإمبراطور وانتزاع الملك منه، على أن هرقل يذهب إليه بحرا وأن نقيطا يسير إليه برا عن طريق لوبيا

7

ومصر والشام وآسيا الصغرى، واتفقا على أن الملك للسابق إلى القسطنطينية إذا قتل فوقاس، فكان السابق بالطبع هرقل، وذهب موفقا مظفرا منصورا إلى القسطنطينية، فانضمت إليه الأمة ومجلس أعيانها، بل ورجال كهنوتها الذين لم يكن لهم مبدأ ثابت في الأحوال السياسية نظرا لكثرة تزعزعهم في الأصول الدينية؛ فسرت إليهم عدوى الاختلاف في السياسة من جراء الانشقاق في المذاهب والاعتقادات، لا سيما أن القيصر أعطى بطريرك رومية لقب الأسقف العام؛ فأغضب بطريرك القسطنطينية.

تملك هرقل بن هرقل، وقتل فوقاس واستخلص عروسه ولبس رداء الأرجوان، وهو شعار الإمبراطور، على يد البطريرك سرجيوس (سرجس أو سركيس)، غير أن الثورة في القسطنطينية لم يرتضها شاهنشاه الفرس وكسرى أبرويز، فسرح المرزبان المعروف بشهربراز في جيش كثيف إلى الروم للطلب بثأر موريق صاحبه وصهره، وللإيقاع بالملك الجديد، فعبر الفرات وهاجم بلاد الإمبراطورية، وقوبلت جنوده بالترحيب من المنشقين بسبب الدين، واستحوذ على أنطاكية فقيسارية فدمشق ثم أورشليم، وأحرق كنيسة القيامة (أو القمامة) وكنيستي قسطنطين وهيلانة، ثم استولى على مصر، وهرب منه يوحنا الرحوم بطريرك الإسكندرية إلى قبرص ومات بها، وأنفذ جيشا لمحاصرة قسطنطينية وهي سرة الدولة ودار الملك، فخاف القيصر أن تفتح واستعد للهرب، وجمع خزائنه وذخائره وفي جملتها خشبة الصليب المقدس وأرسلها في سفن له إلى أفريقية، فعصفت بها الرياح وسيرتها للإسكندرية، فظفر بها شهربراز، وقبض عليها كلها وبعثها إلى أبرويز، فحمد الله الذي سخر له الريح حتى جاءته بخشبة الصليب ، وأفرد لها خزانة سماها كنز الريح، وهي بالفارسية كنج باذاورد، ثم استحوذ شهربراز على ساحل بحر الروم لغاية طرابلس الغرب، وامتلك آسيا الصغرى، ولبثت جنود الفرس معسكرة مدة عشرة أعوام على أبواب القسطنطينية، وفي أثناء ذلك ماتت زوجة القيصر؛ فتزوج مارتينا بنت أخته، خلافا لما تقضي به أوامر الكنسية؛ فغضبت عليه الأمة كما غضبت عليه الكنسية، وأوقعته بين نارين: نار الثورة الداخلية، ونار العدو الفارسي الواقف له بالمرصاد، فضلا عن هجمات خاقان المغول الوافدين من سواحل بحر قزوين. فلما ضاق الحال على هرقل، وبلغ منه اليأس منتهاه، وأعيته الحيل، راسل كسرى في الصلح فأجابه: «لا أرضى بمصالحة إمبراطور بوزنطية إلا إذا كفر بإلهه المصلوب فتمجس وعبد الشمس.»

الحضارة الإسلامية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحضارة الإسلاميةص ٩