ولما تنفس فجر الإسلام وأيقظ العرب من رقادهم ففتحوا البلاد وجاسوا خلال ديار أقيمت على دعائم المدنية، شالت نعامة جهلهم، فامتلأت رءوسهم علما، وصاروا من أعلى الأمم كعبا فيه، غير أنه لم يكن له مأوى في صدور الإسلام إلا صدور الرجال، فكانت الأئمة ترتجله في المحافل، ولا يتصدى للتعليم غير الحافظ، ولم تكن عنايتهم وقتئذ إلا بمسائل العلم وأدلته الصحيحة، ولم يكن للفظ نصيب من البحث والتدقيق كما له اليوم، وما كانوا يعرفون الكتب، بل كانوا ينهون الطلبة عن النظر فيها والاعتماد عليها؛ لئلا تتناولها أيدي التصحيف والتحريف أو التزوير المقصود؛ فيقعوا في شر أعمال المفسدين، أو خوفا من أن يقصروا همتهم على اللفظ دون المعنى، أو يعتمدوا على الكتب؛ فيهملوا الرواية التي هي عندهم قوام العلوم، لا سيما الأدبية والنقلية منها.
ولقد كان العلماء وقتئذ يفاخر بعضهم بعضا بالحفظ، وقلما يكون لأحدهم كتاب واحد يعتمد عليه فيما يزاول، وكان بعضهم يهلك كتبه خوفا من الاتكال عليها.
يؤيد ذلك أن أول ما اشتغل به علماء العرب من العلوم هو تفهم القرآن وحفظ الحديث وكلام العرب، وقد أجمع العلماء أمرهم على أن هذه الأشياء الثلاثة لا بد فيها من السماع والسند الصحيح، فمن لم يسمعها بإسناد، لا يعد عالما فيها؛ ولذلك لا يعترف أئمة الحديث واللغة الذين حصلوا علمهم بالرواية، كالإمام الحافظ المرحوم الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي، نزيل القاهرة في آخر أيامه، لا يعترف مثل هؤلاء لمصري بعلم الحديث واللغة؛ لانقطاع السماع عنا في هذه البلاد.
وإذ كان السماع هو العمدة في صدر الإسلام، كانت الكتب بالضرورة غير معتد بها، ولا معول عليها في شيء؛ إذ المسألة مسألة حفظ محض.
إن الصحابة والتابعين لقرب عهدهم بصاحب الشريعة الإسلامية، ولقلة الاختلاف والواقعات، ولتمكنهم من مراجعة الثقات؛ كانوا لكل ذلك مستغنين عن تدوين علم الشرائع والأحكام، حتى إن بعضهم كره كتابة العلم، فقد روي عن ابن عباس أنه نهى عن الكتابة، وقال: «إنما ضل من كان قبلكم بالكتابة.» وجاء رجل إلى عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - فقال: «إني كتبت كتابا أريد أن أعرضه عليك.» فلما عرضه عليه، أخذه منه ومحاه بالماء، فقيل له: «لماذا فعلت ذلك؟» قال: «لأنهم إذا كتبوا، اعتمدوا على الكتابة وتركوا الحفظ، فيعرض للكتاب عارض فيفوت علمهم.»
ولذلك نبغ الحفاظ في هذه الأمة، وأكثرهم في الحديث والشعر واللغة، حتى كان الرجل منهم يتصدر في مجلس العلم فيملي من محفوظه ما شاء الله، لا يرجع إلى كتاب، وتبقى أماليه مرجعا للباحثين والطلاب، وهذه كتب الأمالي أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر بالشرق وبالأندلس، وقد وصف العلماء الأمالي فقالوا: «هو جمع إملاء، وهو أن يقعد عالم وحوله تلامذته بالمحابر والقراطيس، فيتكلم العالم بما فتح الله عليه من العلم، ويكتبه التلامذة؛ فيصير كتابا، ويسمونه الإملاء والأمالي.»
وقد روى صاحب كشف الظنون أسماء بعض كتب في الأمالي، نروي هنا بعضها، فمنها: «الأمالي الخمسمائة» للإمام أبي سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني المروزي الشافعي المتوفى سنة 552ه، و«أمالي ابن الحاجب» المتوفى سنة 672، فيه تفسير بعض الآيات، وفوائد شتى من النحو على مواضع من المفصل، ومواضع من الكافية في غاية من التحقيق، و«أمالي ابن حجر» العسقلاني المتوفى سنة 852، و«أمالي ابن دريد» المتوفى سنة 321، وهي في العربية، و«أمالي ابن الشجري» المتوفى سنة 572، وهي ثمانية مجلدات في خمسة فنون من الأدب، قال ابن خلكان: «أملاه في أربعة وثمانين مجلسا.» و«أمالي ابن عساكر» في الحديث، وهو صاحب التاريخ الكبير، المتوفى سنة 571، و«أمالي أبي بكر» الأنباري، و«أمالي أبي العلاء» المعري المتوفى سنة 449، وهو مائة كراسة، ولم يتمه، و«أمالي الإمام» أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الحنفي، المتوفى سنة 183، وهي في الفقه، يقال إنها أكثر من ثلثمائة مجلد، و«أمالي جار الله» الزمخشري، و«أمالي الزجاج في النحو»، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد النحوي، المتوفى سنة 312، وهي ثلاثة: الكبرى، والوسطى، والصغرى، و«أمالي القالي في اللغة» وهو الشيخ أبو علي إسماعيل بن القاسم اللغوي المتوفى سنة 356.