والباب الجوفي، ويعرف بباب النطفانيين، وله دهليز عظيم، وعن يمين الخارج منه خانقاه تعرف بالشميعانية، في وسطها صهريج ماء، ولها مطاهر يجري فيها الماء، ويقال إنها كانت دار عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه.
وعلى كل باب من أبواب المسجد الأربعة دار وضوء يكون فيها نحو مائة بيت تجري فيها المياه الكثيرة.
وكان في المسجد 600 سلسلة من ذهب، قيل إنها كانت تختطف الأبصار؛ فدخنوها ليكسروا من ضوئها، كما يدخن الأوروبيون الآن الفضة.
وقال موسى بن حماد البربري: رأيت في مسجد دمشق سورة
ألهاكم التكاثر
إلى آخرها محفورة بالذهب في الزجاج، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في القاف التي في قوله تعالى:
حتى زرتم المقابر ، فسألت عن ذلك، فقيل لي إنه كانت للوليد بنت، وكانت هذه الجوهرة لها، فماتت فأمرت أمها أن تدفن هذه الجوهرة معها في قبرها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من
ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر ، ثم حلف لأمها أنه قد أودعها المقابر فسكتت.
وكان في المسجد أئمة ومدرسون، وقراء يقرءون بالأصوات الحسنة، وجماعة من المعلمين يلقنون الصبيان القرآن، ومعلمون للخط.
وقد وصف بعض أهالي دمشق ذلك المسجد فقال: «جامع المحاسن، كامل الغرائب، معدود من إحدى العجائب، قد زور بعض فرشه بالرخام، وألف على أحسن تركيب ونظام، وفوق ذلك فص أقداره متفقة وصنعته مؤتلفة، بساطه يكاد يقطر ذهبا ويشتعل لهبا، وهو منزه عن صور الحيوان إلى صنوف النبات وفنون الأغصان، لكنها لا تجنى إلا بالأبصار، ولا يدخل عليها الفساد كما يدخل على الأشجار والثمار، بل باقية على طول الزمان، مدركة بالعيان في كل أوان، لا يمسها عطش مع فقدان القطر، ولا يعتريها ذبول مع تصاريف الدهر.»
فقد كان مسجد دمشق من أعجب ما صنع في الدنيا، حتى قال بعض السلف: «ما ينبغي لأحد أن يكون أشد شوقا إلى الجنة من أهل دمشق؛ لما يرونه من حسن مسجدهم.»
وهذا مما يدل على سرعة إيغال العرب في الحضارة حتى بذوا فيها أهل عصرهم سرعة لم يعهد لها نظير في تواريخ الأمم المتحضرة.
ولم يزل ذلك المسجد على تلك الصورة التي تملأ العين حسنا وبهاء إلى أن أشعلت فيه النيران سنة 461ه؛ فأذهبت بعض بهجته.
ومما يروى أن عمر بن عبد العزيز لما ولي ملك بني أمية قال: «إني أرى في أموال مسجد دمشق كثرة أنفقت في غير حقها، فلو استدركت ما أنا مستدرك منها فيرد إلى بيت المال، لكنت أنزع هذا الرخام والفسيفساء، وأنزع هذه السلاسل وأصير بدلها حبالا.» فاشتد ذلك على أهل دمشق، فأبلغوه إعظام الروم لهذا المسجد، فترك ما هم به.
هذا ما كان عليه مسجد دمشق، وتلك حاله، غير أن الذي يؤسفنا ويؤلمنا أن هذه الصفات البديعة لا يوجد منها الآن شيء مذكور، اللهم إلا ما كان من آثارها التي تدل عليها.
وقد زرت بعلبك لعلاقتها بحضارة الإسلام، وهي مدينة قديمة مشهورة في سوريا، في الجهة الشمالية من سهل البقاع، قرب الجبل الشرقي المعروف بمصاقب لبنان. وبعلبك كما وصفها المؤرخون كانت قبلا من أجل لمدن؛ لوقوعها بين صور وتدمر والهند، فكانت محطا لقوافل التجارة، وهي إحدى مدن فينيقية اللبنانية في عهد الرومان، على مسافة واحد وثلاثين ميلا من دمشق إلى الشمال الغربي، واثنين وثلاثين ميلا إلى طرابلس، ومائة ميل وتسعة أميال إلى تدمر.
أما الآن فهي قصبة قضاء تتبع ولاية دمشق، وفيها كرسي أسقف للروم الكاثوليك، وآلاي لعساكر الرديف، وإدارة بريد وبرق، وموقف للسكة الحديدية بين رباق وحلب، وعدد سكانها يبلغ خمسة آلاف، النصف شيعة (متاولة)، والربع من أهل السنة، والربع الآخر مسيحيون، منهم ألف روم كاثوليك، ومائة موارنة، ولهم رئيس أساقفة، وخمسون روم أرثوذكس.
وفيها مسجدان لأهل السنة: أحدهما يعرف بالحنبلي، جدد بناءه السلطان قلاوون سنة 682ه، والآخر جدد بناؤه سنة 1321ه، وفيه مئذنة بنيت في أيام الملك الصالح أبي الفداء إسماعيل سنة 638، وهو بقرب الهيكل المستدير؛ ومسجد للشيعة بناه سابقا الأمير يونس الحرفوش سنة 962ه، وجدد بناؤه سنة 1325ه. وفيها مسجد كبير خرب، كان فيما سلف على ما يظهر كنيسة للقديس يوحنا، فحولها المسلمون مسجدا، وكان المسجد الأعظم في عمرانه، ولكنه لم يفقد الآن غير سقفه، وهو في داخله ذو ثلاثة صفوف من الأعمدة القصيرة، بعضها من حجر الجرانيت وبعضها من حجر أصم، وعلى أكثره تيجان قرنثية تحمل أقواسا قنطرية يرتكز عليها السقف، وقد وضعت العمد بلا ترتيب ولا نظام، فأكثرها وضع على الأرض بلا قواعد، وبعضها يحمل تيجانا لا تناسب حجمه، ويرجح أن العرب نقلوها من أعمدة البهويين في القلعة بعد أن قطعوا شيئا من طولها. ويفصل المسجد عن الدار التي بجانبه صف من الركائز المربعة ذات الأقواس، وهناك على ركيزة في الوسط جرن للماء عليه نقوش عربية، وكان تحته حوض لقبول الماء، ويظن أن الجرن أخذ من الكنيسة القديمة حيث كان للمعمودية، وبجانب هذا المسجد دار فسيحة مربعة، يحيط بها رواق من القناطر من الشرق والشمال والغرب لم يبق منه سوى قنطرتين في الجهة الشمالية، ووراء الرواق من الشرق غرف كانت للتدريس، وعلى أبوابها كتابات عربية، وفي وسط الدار بركة للماء، كان على جوانبها الأربعة أعمدة تحمل فيه، ولم يبق من ذلك إلا الأثر.