4
وهي بنت كسرى أبرويز، فأحسنت السيرة وبسطت العدل ، وأمرت برم القناطر وإعادة العمارات، ووضعت بقايا الخراج وكتبت إلى الناس عامة تعلمهم ما هي عليه من الإحسان، وأنها ترجو أن يريهم الله الرفاهة والاستقامة بمكانها، ومن العدل وحفظ الثغور ما يعلمون به أنه ليس ببطش الرجال تدوخ البلاد، ولا بيأسهم تستباح العساكر، ولا بمكايدهم ينال الظفر، ولكن ذلك كله يكون بالله عز وجل، وحسن النية واستقامة التدبير. ولكي تستجلب مودة الروم وتذهب حفيظتهم عن بلادها ردت خشبة الصليب على ملك الروم، ومضت لربها بعد سنة وأربعة أشهر، فتولى الملك رجل من بني عم أبرويز، وهلك بعد شهر، فآل الملك إلى أذرمي دخت أخت بوران دخت، وكانت من أجمل نساء دهرها، وكانت ملكة بحقها وصدقها لو ساعدها الدهر والعمر، ولكنها ملكت والدولة مدبرة بإقبال دولة الإسلام، فكثرت في أيامها الأحداث، وتبسطت الأيدي، ومرضت السياسة، ولقد طمع فيها أحد القواد وأراد أن يتزوجها فأرسلت إليه: «إن التزويج للملكة غير جائز، وقد علمت أن أريك فيما ذهبت إليه قضاء حاجتك منى، فصر إلي في ليلة كذا وكذا.» وتقدمت إلى صاحب حرسها ليرصده، فلما أقبل قتله. وكان للرجل ابن عظيم البأس، قوي النفس، وهو رستم شجاع الفرس، وفارس القادسية المشهور، فأقبل وقتل الملكة بعد أن سمل عينيها. ثم توالت الفتن والاضطرابات على من ولي أمر الفرس ممن تداول الملك بعدها من النسوان والصبيان، حتى جاء يزدجرد، وهو غلام مراهق، فكان ملكه عند ملك آبائه وأجداده كالخيال، وكانت العظماء والوزراء يدبرون ملكه لحداثة سنه، ولم يبق من دولة العجم إلا رمق، والأهواء مختلفة والجماعات متفرقة، والأمور منحلة، والسياسة مختلة، والأحوال مضمحلة؛ فضعف أمر المملكة واجترأ عليها الأعادي من كل وجه، وطرقوا البلاد وخربوها، وغزت العرب مملكته؛ فهرب يزدجرد أمامهم ومعه ألف طباخ، وألف مطرب، وألف فهاد، وألف بازيار، وعنده أنه في خف، وانتهى أمره بسقوط ملك فارس في الشرق على أيدي المسلمين الذين أورثهم الله ملك الروم في الشمال وفي الغرب.
| المحاضرة الرابعة: انتشار الإسلام والحروب الإسلامية
جاء محمد بدين الإسلام، فوضع الأصول الأولى لهذه الحضارة التي كان لها شأن كبير في ارتقاء بني الإنسان، ونحن إذا أنعمنا النظر في الصورة التي كان عليها العالم وقتئذ - وقد رسمناها بغاية السرعة - رأينا أن هذا الاختباط كان يؤذن بظهور حادث جديد، وأن الناس كانوا يتوقعون حدوث هذا الأمر الجليل للتخلص مما هم فيه من الارتباك الديني والدنيوي، وقد قيل لنا إنه ظهر قبيل محمد نفر كثير تطالت أعناقهم إلى هذه المرتبة الكبيرة في الهيئة الاجتماعية، وكأنما أحس العرب بأن هذا الأمر مقبل عليهم، وأن الدور آتيهم، فكان الأب يسمي ابنه محمدا استمطارا لهذه الأمنية، حتى بلغ من سموا بهذا الاسم في الجاهلية سبعة على ما قيل، وكثيرا ما اجتهد رجالات العرب في ترشيح أنفسهم لهذه الدرجة، وأخصهم أمية بن أبي الصلت الثقفي، وقس بن ساعدة الإيادي، وغيرهما.
فلما جاء دين التوحيد بعد التثنية والتثليث وجد السبيل ممهدة، والعقبات مذللة، والنفوس مهيأة؛ فغرست بذوره وتأصلت جذوره، فزكا ونمى وأينعت ثماره، وهذه الأسباب كلها كانت سببا في نجاحه.
إن المتأمل في أحوال هذا الكون إذا أعمل الفكر في ماضيه وحاضره لا يجد انقلابا واحدا حدث في حالة الإنسان الواحد، أو الأسرة، أو المجموع، أو الأمة، أو العالم كله، بغير أن تصحبه وتتلوه ضحايا وبلايا تختلف قلة وكثرة بحسب ما تصادفه من الأحوال، والعمدة كل العمدة إنما هي على النتيجة، فإن كانت حسنة في مجموعها مفيدة في جملتها، كان الانقلاب مستحبا والعاقبة مفيدة، ولا عبرة بما أدى إليها مما قد كان يكون اجتنابه أولى، لكن طبيعة العمران تأبى ذلك؛ لأن الكمال محال.