تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونقلوا عن رسالة ابن العديم أنه قال: إني اعتبرت من ذم أبي العلاء ومن مدحه، فوجدت كل من ذمه لم يره ولا صحبه، ووجدت كل من لقيه هو المادح له.

وقال ابن الوردي بعد ما أورد مراسلاته مع القاضي أبي الطيب الطبري التي مر ذكرها في أخباره: «وشهادة أبي الطيب في الشيخ مقدمة على شهادة الغير، وحسن الظن خصوصا بالعلماء قد دل عليه القرآن والحديث، وهو لا يأتي إلا بخير. وكان شيخنا عبس حسن العقيدة؛ واعتراف الطبري له ومدحه يكفيه.

شهادة الطبري الحبر كافية

أبا العلاء فقل ما شئت أو فذر

من أغمد السيف عنه كان في دعة

ومن نضى السيف قابلناه بالطبر»

انتهى كلامه. وقوله: قابلناه بالطبر فيه تورية، والطبر هو الطبرزين، معرب، ومعناه: فأس السرح؛ لأن فرسان العجم كانت تحمله معها تقاتل به، ويقال له عندهم التبر. كذا ذكر المحبي في «قصد السبيل؛ فيما في اللغة العربية من الدخيل».

ونقلوا أيضا عن رسالة ابن العديم المذكورة أنه قال: قرأت بخط أبي اليسر شاكر المعري في ذكره، وكان رضي الله عنه يرمى من أهل الحسد له بالتعطيل، ويعمل تلاميذه وغيرهم على لسانه الأشعار، يضمنونها أقاويل الملحدة؛ قصدا لإهلاكه، وإيثارا لإتلاف نفسه، فقال رضي الله عنه:

حاول إهواني قوم فما

واجهتهم إلا بإهوان

وحرشوني بسعاياتهم

فغيروا نية إخواني

لو استطاعوا لوشوا بي إلى الم

ريخ في الشهب وكيوان

وقال أيضا:

غريت بدمي أمة

وبحمد خالقها غريت

وعبدت ربي ما استطع

ت ومن بريته بريت

وفرتني الجهال حا

سدة علي وما فريت

سعروا علي فلم أح

س وعندهم أني هريت

قال الصفدي: «أما الموضوع على لسانه، فلعله لا يخفى على من له لب. وأما الأشياء التي دونها، وقال بها في لزوم ما لا يلزم، وفي استغفر واستغفري، فما فيه حيلة. وهو كثير، فيه ما فيه من القول بالتعطيل والاستخفاف بالنبوات. ويحتمل أنه ارعوى وتاب بعد ذلك كله. وحكي لي عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني أنه قال في حقه: هو جوهرة جاءت إلى الوجود وذهبت». انتهى كلام الصفدي. قلت: أما استغفر واستغفري فلم أقف عليه؛ فإن كان ما فيه يشبه ما في لزوم ما لا يلزم، فسيرد عليه ما يزيل الشك فيه.

وقال ابن الوردي في تاريخه: «وأنا كنت أتعصب له لكونه من المعرة، ثم وقفت له على كتاب استغفر واستغفري فأبغضته، وازددت عنه نفرة، ونظرت له في كتاب لزوم ما لا يلزم، فرأيت التبري منه أحزم؛ فإن هذين الكتابين يدلان على أنه كان لما نظمهما عالما حائرا، ومذبذبا نافرا، يقر فيهما أن الحق قد خفي عليه، ويود لو ظفر باليقين فأخذه بكلتا يديه؛ كما قال في مرثية أبيه:

طلبت يقينا من جهينة عنهم

ولم تخبريني يا جهين سوى الظن

فإن تعهديني لا أزال مسائلا

فإني لم أعط الصحيح فأستغني

ثم وقفت له على كتاب «ضوء السقط» الذي أملاه على الشيخ أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله الأصبهاني، الذي لازم الشيخ إلى أن مات، ثم أقام بحلب، يروي عنه كتبه، فكان هذا الكتاب عندي مصلحا لفساده، موضحا لرجوعه إلى الحق وصحة اعتقاده؛ فإنه كتاب يحكم بصحة إسلامه مؤلا، ويتلو لمن وقف عليه بعد كتبه المتقدمة «وللآخرة خير لك من الأولى»؛ فلقد ضمن هذا الكتاب ما يثلج الصدر، ويلذ السمع، ويقر العين، ويسر القلب، ويطلق اليد، ويثبت القدم؛ من تعظيم رسول الله

صلى الله عليه وسلم

خير بريته، والتقرب إلى الله بمدائح الأشراف من ذريته، وتبجيل الصحابة، والرضا عنهم، والأدب عند ذكر ما يتلقى منهم، وإيراد محاسن من التفسير ، والإقرار بالبعث والإشفاق من اليوم العسير، وتضليل من أنكر المعاد، والترغيب في أذكار الله والأوراد، والخضوع للشريعة المحمدية وتعظيمها. وهو خاتمة كتبه، والأعمال بخواتيمها. وقد يعذر من ذمه، واستحل شتمه، فإنه عول على مبادئ أمره، وأوسط شعره؛ ويعذر من أحبه، وحرم سبه، فإنه اطلع على صلاح سره، وما صار إليه في آخر عمره؛ من الإنابة التي كان أهلها، والتوبة التي تجب ما قبلها. وكان يقول رحمه الله: أنا شيخ مكذوب عليه». انتهى كلامه بنصه.

أبو العلاء المعري · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أبو العلاء المعريص ٤٢