حجاب وإعجاب وفرط تصلف
ومد يد نحو العلا بتكلف
فلو كان هذا من وراء كفاية
عذرنا ولكن من وراء تخلف
وكان معه أبو سعد التستري اليهودي يدبر الدولة له، فقال بعض الشعراء:
يهود هذا الزمان قد بلغوا
غاية آمالهم وقد ملكوا
العز فيهم والمال عندهم
ومنهم المستشار والملك
يا أهل مصر إني نصحت لكم
تهودوا قد تهود الفلك
وممن ارتبط مع أبي العلاء برابطة الود، وجمعته به آصرة الأدب؛ الوزير أبو القاسم الحسين بن علي العالم الأديب المشهور بالوزير المغربي، صاحب مختصر إصلاح المنطق، وأدب الخواص، والمأثور في ملح الخدور، وكتاب الإيناس، والديوان الشعر. وهو الذي كتب له أبو العلاء رسالته المسماة بالمنيح، ورسائل أخرى. ولما فرغ من تأليف مختصر إصلاح المنطق لابن السكيت أنفذ إلى أبي العلاء نسخة منه، فقرظها برسالة طويلة سماها بالإغريضية، أثنى عليه فيها ثناء جما، ووصف المختصر، وبالغ في مدحه. ووقفت في رسائل لأبي العلاء مخطوطة على كتاب أرسله له هذا الوزير، يتشوق إليه وإلى أخيه، ويشتكي من الدهر وصروفه، ويسأل الله أن يجمعه بهما، وضمنه كثيرا من شعره في هذه الأغراض. ولولا خوف الإطالة لأثبته هنا.
وكان الوزير المذكور من الدهاة العارفين، محبا للفتن، مثيرا للقلاقل، قتل الحاكم بأمر الله أباه وعمه وأخويه، فهرب إلى الرملة، ثم انتقل إلى الحجاز، وهو يفسد نيات الولاة على الحاكم حتى أقلقه. ودخل العراق فاتهمه القادر العباسي بالسعي في إفساد الدولة العباسية، فلم يزل منتقلا في البلاد حتى مات بميافارقين سنة 418 على الأصح. ونقل إلى الكوفة بوصية منه، ودفن في تربة مجاورة لمشهد الإمام كرم الله وجهه؛ وأوصى أن يكتب على قبره:
كنت في سفرة الغواية والجه
ل مقيما فحان مني قدوم
تبت من كل مأثم فعسى يم
حى بهذا الحديث ذاك القديم
بعد خمس وأربعين لقد ما
طلت إلا أن الغريم كريم
ورثاه أبو العلاء بأبيات أثبتها في لزومياته، وهي:
ليس يبقى الضرب
10
الطويل على الأرض
ولا ذو العبالة
11
الدرحايه
يا أبا القاسم الوزير ترحل
ت وخلفتني ثفال
12
رحايه
وتركت الكتب الثمينة للنا
س وما رحت عنهم بسحايه
13
ليتني كنت قبل أن تشرب المو
ت أصيلا شربته بضحايه
إن نحتك المنون قبلي، فإني
منتحاها وإنها منتحايه
أم دفر تقول بعدك للذا
ئق لا طعم لي فأين فحايه
14
إن يخط الذنب اليسير حفيظا
ك فكم من فضيلة محايه
وكان ابن القارح صاحب الرسالة المشهورة للمعري يؤدب الوزير المغربي في صباه، ثم صار يذمه ويعدد معايبه، حتى قال في هجوه:
لقبت بالكامل سترا على
نقصك كالباني على الخص
فصرت كالكنف إذا شيدت
بيض أعلاهن بالجص
يا عرة الدنيا بلا غرة
ويا طويس
15
الشؤم والحرص
قتلت أهليك وأنهبت بي
ت الله بالموصل تستعصي
وبلغ أبا العلاء كلامه فيه فامتعض وتألم. فلما كتب ابن القارح رسالته قال فيها في هذا الخصوص مخاطبا أبا العلاء : «بلغني عن مولاي الشيخ - أدام الله تأييده - أنه قال وقد ذكرت له: أعرفه خبرا، هو الذي هجا أبا القاسم الحسين بن علي المغربي. فذلك منه أدام الله عزه رائع لي، خوفا أن يستشر طبعي، وأن يتصورني بصورة من يضع الكفر موضع الشكر، وهو بتعريف التنكير أنفع لي عنده، لجلالة قدره ودينه ونسكه. وأنا أطلعه طلعه، ليعرف خفضه ورفعه، وفراداه وجمعه». ثم ساق بعد ذلك نوادر عن هذا الوزير في تهوره ومحبته للفتن، ونقضه للعهود. فأجابه أبو العلاء في رسالة الغفران بأن هذا الصديق قد مات، وأولى بمن يغفر الذنب للحي أن يغفره له وهو ميت.
وكان أبو الخطاب محمد بن علي بن محمد بن إبراهيم الجبلي
16
شاعرا، وكان بينه وبين أبي العلاء المعري مشاعرة، وفيه قال أبو العلاء قصيدته:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شاد
ومات أبو الخطاب في ذي القعدة سنة 439. كذا ذكر ياقوت في معجم البلدان.