من شاعر للبين قال قصيدة
يرثي الشريف على روي القاف
بنيت على الإيطاء سالمة من الإقواء
والإكفاء والإصراف
الخفاف: الخفيف، وسحيم: عبد بني الحسحاس، كان أسود. وأراد بخفاف: خفاف بن ندبة
2
أحد غربان العرب وشعرائها، يعني كأن هذا الغراب شاعر أسود كهذين الشاعرين، ينعى لنا الشريف بنعيبه، ويرثيه بقصيدة قافية؛ لأنه يقول في نعيبه: غاق غاق. وهذه القصيدة بنيت على الإيطاء؛ لأنه يردد هذه الكلمة في قوافيها، إلا أنها سالمة من الإقواء، وهو الاختلاف بين القوافي بالرفع والجر؛ ومن الإكفاء، وهو المخالفة بينها بالحروف؛ ومن الإصراف، وهو الإقواء بالنصب.
وممن صحب أبا العلاء وأخذ عنه وهو ببغداد القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي المتقدم ذكره، وكانت بينهما رابطة اتحاد. وحمل إليه مرة جزءا من أشعار تنوخ في الجاهلية، مما كان جمعه والده أبو علي المحسن، فلما تعجل أبو العلاء الرحيل عن بغداد تركه عند أبي أحمد عبد السلام، وسأله رده إلى أبي القاسم، وسار عن بغداد، فخشي أن يكون أغفله، فكتب يخاطب أبا القاسم بقصيدة ضمنها أغراضا، يقول فيها:
أهدي السلام إلى عبد السلام فما
يزال قلبي إليه الدهر ملفوتا
سألته قبل يوم السير مبعثه
إليك ديوان تيم اللات ماليتا
3
هذا لتعلم أني ما نهضت إلى
قضاء حج فأغفلت المواقيتا
وروى ابن خلكان وابن الوردي في تاريخهما، نقلا عن كتاب للحافظ أبي طاهر السلفي، وضعه في أخبار أبي العلاء، قال فيه مسندا عن القاضي أبي الطيب الطبري: كتبت إلى أبي العلاء المعري حين وافى بغداد، وقد كان نزل في سويقة غالب:
وما ذات در لا يحل لحالب
تناوله واللحم منها محلل
لمن شاء في الحالين حيا وميتا
ومن رام شرب الدر فهو مضلل
إذا طعنت في السن فاللحم طيب
وآكله عند الجميع معقل
وخرفانها للأكل فيها كزازة
4
فما لحصيف الرأي فيهن مأكل
وما يجتني معناه إلا مبرز
عليم بأسرار القلوب محصل
فأجابني، وأملى على الرسول في الحال:
جوابان عن هذا السؤال كلاهما
صواب وبعض القائلين مضلل
فمن ظن كرما فليس بكاذب
ومن ظنه نخلا فليس يجهل
لحومهما الأعناب والرطب الذي
هو الحل والدر الرحيق المسلسل
ولكن ثمار النخل وهي غضيضة
5
تمر
6
وغض الكرم يجنى ويؤكل
يكلفني القاضي الجليل مسائلا
هي النجم قدرا بل أعز وأطول
ولو لم أجب عنها لكنت بجهلها
جديرا ولكن من يودك مقبل
قال القاضي أبو الطيب: فأجبته عنه، وقلت:
أثار ضميري من يعز نظيره
من الناس طرا سابغ
7
الفضل مكمل
ومن قلبه كتب العلوم بأسرها
وخاطره في حدة النار مشعل
تساوى له سر المعاني وجهرها
ومعضلها باد لديه مفصل
ولما أثار الحب قاد
8
منيعه
أسيرا بأنواع البيان يكبل
وقربه من كل فهم بكشفه
وإيضاحه حتى رآه المغفل
وأعجب منه نظمه الدر مسرعا
ومرتجلا من غير ما يتمهل
فيخرج من بحر ويسمو مكانه
جلالا إلى حيث الكواكب تنزل
فهنأه الله الكريم بفضله
محاسنه والعمر فيها مطول
فأملى أبو العلاء على الرسول مرتجلا:
ألا أيها القاضي الذي بدهائه
سيوف على أهل الخلاف تسلل
فؤادك معمور من العلم آهل
وجدك في كل المسائل مقبل
فإن كنت بين الناس غير ممول
فأنت من الفهم المصون ممول
إذا أنت خاطبت الخصوم مجادلا
فأنت وهم مثل الحمائم، أجدل
كأنك من في الشافعي مخاطب
ومن قلبه تملي فما تتمهل
وكيف يرى علم ابن إدريس دارسا
وأنت بإيضاح الهدى متكفل
تفضلت حتى ضاق ذرعي بشكر ما
فعلت وكفي عن جوابك أجمل
لأنك في كنه الثريا فصاحة
وأعلى ومن يبغي مكانك أسفل
فعذري في أني أجبتك واثقا
بفضلك فالإنسان يسهو ويذهل
وأخطأت في إنفاذ رقعتك التي
هي المجد لي منها أخير وأول
ولكن عداني أن أروم احتفاظها
رسولك وهو الفاضل المتفضل
ومن حقها أن يصبح المسك عاطرا
بها
9
وهي في أعلى المواضع تجعل
فمن كان في أشعاره متمثلا
فأنت امرؤ في العلم والشعر أمثل
تجملت الدنيا بأنك فوقها