وكان شأن أبي العلاء في الزهد والتقشف والإعراض عن الدنيا شأنا عجبا، ولا يذهبن بك الظن فتتوهم أن للفقر مدخلا في زهده، فإن من تبذل له الخزائن، وتعرض عليه الصلات، لا تستعصي عليه غاية من الغايات، ولكنه نظر إلى هذا المتاع الزائل نظر من لم يلهه زخرفه عن استطلاع حقيقته، فصد عنه وزهد فيه جملة، وأخذ نفسه بالرياضة والخشونة، والإعراض عن العرض الفاني؛ فكان لباسه القطن، وفراشه اللبد، وحصيره برديه، وطعامه الفول والعدس، وحلاوته التين، وفيه يقول:
يقعنعني بلسن يمارس لي
فإن أتتني حلاوة فبلس
5
فلس ما اخترت إن أروح من
يسار قارون عفة وفلس
6
وسنورد مختار شعره في الزهد، متى وصلنا إلى الكلام على منظومه، كما أننا سنشبع القول في سبب تجافيه عن أكل الحيوان، عند الكلام على معتقده.
وكان رحمه الله، على عوزه ورقة حاله، بذولا لما عنده، غير مانع معروفا عن مستحق، يتكلف في ذلك ما استطاع. بلغه مرة أن شاعرا يلقب بصريع البين ساءت به الحال، فأنفذ إليه قدرا من الدراهم، وأتبعها لقصيدة يقول فيها:
قد استحييت منك فلا تكلني
إلى شيء سوى عذر جميل
وقد أنفذت ما حقي عليه
قبيح الهجو أو شتم الرسول
وذاك، على انفرادك، قوت يوم
إذا أنفقت إنفاق البخيل
فكيف وأنت علوي السجايا
فليس إلى اقتصادك من سبيل
إلى أن يقول:
فإن يك ما بعثت به قليلا
فلي حال أقل من القليل
وحدث للقاضي أبي محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الفقيه المالكي المشهور ضيق وشدة، وهو ببغداد، فلم ير بدا من الرحيل عنها، وخرج لتشييعه يوم فصل جمع من أكابرها، وطوائف كثيرة، من أهلها، وما فيهم إلا متوجع لفراقه، أو آسف على فوات الاستفادة من علمه، فقال لهم عند الوداع: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين كل غداة وعشية ما عدلت عن بلدكم. فلم تحرك مقالته واحدا منهم، يتكفل له بما طلب؛ فسار عنهم قاصدا مصر، واجتاز بمعرة النعمان، وبها يومئذ أبو العلاء، فأضافه واحتفى به، وفيه يقول:
والمالكي ابن نصر زار في سفر
بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكا جدلا
وينشر الملك الضليل إن شعرا
7
ثم حباه عند رحيله بثلاثين درهما، وخاطبه معتذرا بقوله:
أيبسط عذري منعم أم يخصني
بما هو حظي من أليم عتاب
قبول الهدايا سنة مستحبة
إذا هي لم تسلك طريق تحاب
فيا ليتني أهديت خمسين حجة
مضت لي فيها صحتي وشبابي
وقلت له فاترك ثلاثين أسودا
متى ما تكشف تلف غير لباب
إذا أسكت المحتج كل مناظر
فعند ابن نصر نجدة بجواب
وما أنا إلا قطرة من سحابة
ولو أنني صنفت ألف كتاب
وبين يديه كفر طاب وإنسها
يعيش لفقد الماء عيش ضباب
لعل الذي أنفذت يكفيه ليلة
لإسباغ طهر حان أو لشراب
يقول: لعل هذه الدراهم القليلة، وإن كانت سوداء غير خالصة الفضة، تكفي الشيخ لأن يشتري بها قليلا من الماء لطهره أو لشرابه؛ فإنه معرج على كفر طاب، وهي قليلة الماء، وأهلها يعيشون بها عيش الضباب. وإنما خص الضباب بالذكر؛ لأنها تصبر على العطش. وبعض المحققين من أهل عصرنا يرى أن كفر طاب هي البلدة المسماة الآن بإدلب، وهي قصبة قضاء باسمها، من لواء حلب. ولم تزل قليلة الماء. وفيها يقول أبو العلاء في لزومياته:
أرى كفر طاب أعجز الماء حفرها
وبالس أغناها الفرات عن الحفر
8
كذلك مجرى الرزق ، واد بلا ندى
وواد به فيض وآخر ذو جفر
ولما وصل القاضي عبد الوهاب المذكور إلى مصر، أقبلت عليه الدنيا، وانهالت عليه صلات الأمراء، ولكنه لم يتمتع بشيء منها، بل مات عقب وصوله من أكلة اشتهاها، وسمعوه يقول وهو يتقلب ويتململ: لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا. وهو القائل في بغداد:
بغداد دار لأهل المال طيبة
وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها
كأنني مصحف في بيت زنديق
| هوامش
| فصل في بقية أخباره
لما دخل أبو العلاء بغداد أقبل عليه علماؤها وأدباؤها، معجبين بفطنته، وسعة علمه. واختص بصحبته جماعة منهم؛ كأبي القاسم علي بن المحسن القاضي التنوخي، وكخازن دار العلم؛ والشريفين الرضى والمرتضى ابني أبي أحمد الموسوي، وغيرهم. وكان المرتضى شديد الاختصاص به، وله معه مباحثات ومداعبات.