. ونحن نجد أنه إلى هذا الحد قد زيفت هذه الحقائق.
ولسنا هنا في مقام الرد على مثل تلك الإفتعالات، لأنها واهية البطلان أساسا، ولا تعتمد على أي دليل، ومصدرها النزعات والأهواء، أو الجهل.
ومن الغريب أن هؤلاء قد تعمدوا نسيان حقيقة الهدف الذي من أجله وقع ما وقع، وتعمدوا نسيان الجريمة التي ارتكبها الناكثون في البصرة قبل مقدم الإمام علي (ع) إليها، وتورثهم على واليها عثمان بن حنيف وقتلهم سبيعين من أصحابه.
ونجدهم قد أهملوا موقف الإمام علي (ع) من الزبير عندما ذكره بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للزبير (( ستقاتله وأنت له ظالم )).
وأهملوا كل شيء جرى بين الإمام علي (ع) ومعاوية قبل صفين، ومحاولة الإمام علي عليه السلام إرجاعه إلى جادة الصواب بكل الطرق الممكنة في كثير من المراسلات دارت بينهما.
وأين هؤلاء من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر:
(( ستقتلك الفئة الباغية )) (1). وإلى أي دليل استند هؤلاء بأنه لم يكن هناك خدعة في رفع المصاحف أو التحكيم!؟
ومن الواضح أننا لو قرأنا التاريخ بالشكل المطلوب. لما احتجنا إلى تلك التفسيرات الخاطئة، والتبريرات الواهية، ولو أن بعض المؤرخين تمعنوا الحقائق جيدا لما أرهقوا أنفسهم بتلك التفسيرات والمبررات حتى ضلوا وأضلوا.
:
(1) ولقد حدى موضوع تبريرهم معاوية مما ارتكب أن يتهموا كل من تحدث عن جرائم معاوية وأحب عليا عليه السلام وتابعه بالمغالاة، لكي يحفظوا لمعاوية ومن شاكله مكانة في نفوسهم المريضة وأتباعهم. وعجبا لمثل هذا التفكير الساذج والعقيدة الجوفاء التي ضلوا بها وأضلوا. ولكن هذا هو الضلال والخسران المبين. ألم يعرف هؤلاء أن النزعة الأموية والهجوم على محبي أهل البيت (ع) والانتقاص من علي وفاطمة وأبنائهما عليهم السلام أصلها من المجوسية التي أرادت أن تسيء إلى الرسول (ص) بإساءتها إلى أقرب الناس إليه، وأعزهم عنده، ولكن هؤلاء الكتاب ربما لجهلهم أخذوا ماكتبوه عن بعض المتعصبين أمثال ابن حزم وابن تيمية ومن سبقهما ومن تأخر عنهما ممن حذا حذوهما. قال في النجوم الزاهرة: أن نسب ابن حزم ينتهي إلى خلف بن معدان مولى يزيد بن أبي سفيان.
(2) ولعل هؤلاء لم يتمعنوا مثلا حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام ((ستتقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله )).
... فالجهاد كان معنى ظاهرا لدخول الناس في دين الله أفواجا، وهذا معنى ظاهر من أناس أعلنوا الكفر.
... أما ما جاهد علي عليه السلام من أجله إبان خلافته وقد جاهد مسلمين فذلك معنى عميق باطن لم يستطيعوا فهمه.
... فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم جاهد على النزيل، وعلي عليه السلام جاهد على التأويل، والتأويل لا يفقهه إلا العالمون.
... ولذلك انتقد علي (ع) الواقفون عند الظواهر من الظاهريه وبعض أهل السلف فضلا عن الخوارج الذين لم يبلغ الإيمان تراقيهم، فهو (ع) إراد أن يبدل أشياء كانت قد تغيرت وخرجت عن قاعدة الإسلام ((لو استوت قدمي هذين لبدلت أشياء )). ولقد قال عنه الحسن البصري أنه (( رباني )) هذه الأمة بكل ما يحمله اللفظ من سر عميق وجلال عظيم.