وكان لهم عناية كبرى في زرع الزيتون واستثماره فلا تكاد تمر بقرية من قرى حماة إلا وتجد آثار مطاحن الزيت وآثار مخازنه. وقد زادوا في بنيان القلعة، وحسنوا ما شاءوا، وعملوا بعض الجسور على نهر الأورونت «العاصي» وسنذكرها.
والذي يظهر من آثارهم أنهم كانوا أهل جد وعمل، وأن البلاد كانت آهلة بالسكان في أيامهم؛ فإن المتجول في بر حماة لا يكاد يفارق آثار قرية حتى يمر بآثار أخرى بحيث لو كانت عامرة بالسكان لأصبح عدد النفوس أضعاف أضعاف الموجودين الآن.
وكان لحماة أسوار محيطة بها من الحجر الأبيض - بناها أسطتينوس الروماني - ولها أبواب عديدة، وقد ظلت بيد الرومانيين حتى ملكها المسلمون.
عاداتهم:
كانوا إذا مات لهم ميت وضعوه في نعش، ومشوا أمامه حاملين تماثيل الميت وأسلافه، ويضعون في فم الميت شيئا من النقود ليعطيها للشخص الموهوم المسمى شارون - يزعمون أنه موكل بنقل الأموات إلى نهر الموت وأن هذه النقود أجرته - فإذا وصلوا إلى مكان الدفن أخذ الكهنة ماء ورشوا به من كان مع الجنازة. وكانوا يستعملون أيضا حرق الأموات فيطرحون جسم الميت على حطب مرتب على شكل مذبح، ثم يدور الحاضرون حوله بكل هدوء وسكون على أصوات الآلات الموسيقية، وبعد ذلك يأتي أحد أقارب الميت بشعلة من نار فيضرم الحطب، وأناس يلقون الطيب والروائح الطيبة، وعندما يحترق يطفئون النار بالخمر، ثم يجمعون الرماد ويضعونه في إناء ثمين ويلقونه في المدفن. وقد جرت عادتهم أنهم يطرحون مع الجندي سلاحه ومع النساء بعض حليهن.
وقد سلك الرومانيون مسلك من قبلهم من الأمم باتخاذ يوم من الأسبوع يجتمع فيه أهل القرى للبيع والشراء كيوم الخميس عندنا الآن.
| حماة في زمن المسلمين
بعدما فتح أبو عبيدة عامر بن الجراح - رضي الله عنه - حمص وضع عليها عبادة بن الصامت، ثم فتح الرستن، ثم جاء إلى حماة فتلقاه أهلها مذعنين سنة 18 للهجرة فصالحهم على الجزية في رءوسهم والخراج على أرضهم، وأقام في حماة مدة اتخذ كنيستها العظمى جامعا، ثم رحل إلى شيزر فصالحه أهلها على ما صالحه أهل حماة، ومن ذلك الحين دخلت حماة تحت يد الدولة الإسلامية هي وتوابعها.
ظلت حماة تابعة للخلفاء الراشدين حتى دخلت في حكم الأمويين في جملة ما دخل تحت حوزتهم، وقد تناقص عمرانها من ذاك الحين، وخرب بعض بنيانها لنفرة أهل القرى من عرب كندة الذين قطنوا صحاري حماة من جهة الشرق، وعشائر كلب الذين سكنوا صحاريها من جهة الغرب فخلت القرى من السكان، ولا حياة لحماة إلا بالقرى فتراجع عمرانها لهذا، وألحقت بحمص فكانت من أعمالها إلى حد سنة 290. سيما وأن العباسيين لما أخذوا الخلافة لم يكن لهم عناية إلا بإعمار بغداد والعراق، فطفق الناس يهجرون أوطانهم ويقصدون التقرب من مركز الخلافة حتى خربت المدن الكبيرة التي كانت حماة تستقي منها موارد ثروتها مثل كورة البلعاث والأندرين ولطمين وصوران وبعرين وغيرها.
قال أحمد بن الطيب فيما شاهده من البلدان حينما كان سائرا مع المعتضد من بغداد إلى البلاد الشامية سنة 271: حماة قرية عليها سور حجارة، وفيها بناء بالحجارة واسع، والعاصي يجري أمامها، ويسقي بساتينها، ويدير نواعيرها. فسماها قرية وليست هي قرية كما يقول، ولكن من يشاهد بغداد في زمن المعتضد لا يستغرب منه تسمية حماة قرية.
وقال ياقوت الحموي في معجم البلدان: حماة مدينة قديمة جاهلية، ذكرها امرؤ القيس بشعره فقال:
تقطع أسباب اللبانة والهوى
عشية رحنا من حماة وشيزرا
إلا أنها لم تكن قديما مثل ما هي اليوم من العظم بسلطان مفرد بل كانت من عمل حمص. انتهى.
ولقد توالت الحوادث على حماة حتى كادت أن لا تخلو مدة من حادثة؛ فمما ضعضع أركانها وقوض بنيانها أيضا هجوم القرامطة عليها سنة 291 بقيادة أبي شامة رئيسهم، فإنه ملك حمص وحماة وقتل أهلها وأطفالها ونساءها، وعمل مثل ذلك بالمعرة وسلمية فقتل في سلمية كثيرين حتى صبيان المكتب، فأرسل إليهم المكتفي العباسي جيشا عظيما فالتقوا بهم عند قرية تمنع «تمانعة» فقتلوا من القرامطة كثيرين، وقبضوا على أبي شامة وابن عمه وغلامه فأمر الخليفة بقتلهم في بغداد.