تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أخذت الصين تتجه منذ بداية هذا القرن على الخصوص نحو الحضارة الأوربية، واعتنقت الكثير من مظاهرها المادية، ولكن تلك المظاهر المادية لم تصل في الواقع إلا إلى الطبقات العليا فقط من السكان في المدن الكبرى وفي الأطراف الخارجية، ولم تفلح في التغلغل قليلًا ولا كثيرًا إلى داخل الصين ذاتها، أو إلى طبقات الشعب الفقيرة من سكان الريف ومن الفلاحين والعمال، وهم يمثلون الغالبية العظمى من السكان. وقد كان لذلك - ولا ريب - أسوأ الأثر في المجتمع الصيني، إذ ساعد على توسيع الهوة التي تفصل بين مختلف الطبقات، كما ساعد بالتالي على إضعاف قوة التماسك الاجتماعي في الصين. ولكن الحرب الصينية اليابانية قللت أيضًا من ذلك الأثر حتى كادت تمحوه؛ فقد أصبح من العسير - نتيجة للحرب - على المنتجات الأوربية أن تصل إلى الصين؛ والقليل النادر الذي يصل إلى هناك يباع بأسعار خيالية لا تصدق ولا يكاد يقوى على شرائها إلا فئة قليلة جدًا من الناس؛ وكانت نتيجة ذلك كله أن أخذ الناس ينصرفون عن ذلك النوع من الحياة المادية المترفة التي قبسوها عن أوربا، ويعتاضون عنها تدريجيًا بالإنتاج المحلي البدائي؛ وبذلك عاد أهل الصين جميعًا إلى أساليب حياتهم القديمة، واشتد تبعًا لذلك التقارب بين مختلف الطبقات عما كان عليه. وقد يبدو ذلك الرجوع إلى القديم نكسة أصابت الصين في تطورها ورقيها، ولكن السيدة المؤلفة ترى عكس ذلك، فهي تعتقد أن الرقي الحقيقي هو في تماسك الشعب وتقارب طبقاته قبل كل شئ، ثم رقيه كله معًا مرة واحدة.

وفي الصين الآن اتجاه قوي يرمي إلى الأخذ بنظم الحكم الديمقراطي؛ ولكن هذا النظام لم يتحقق بعد، ولا ينتظر أن يتحقق كاملًا في الوقت الحاضر على الأقل، كما أن من الصعب على الإنسان أن يتكهن بطبيعته في صورته الأخيرة، وإن كانت كل الدلائل تدل على أنه لن يكون نظامًا نيابيًا ديمقراطيًا بالمعنى الذي يفهمه الأوربيون. ويقف دون تحقيق النظام الديمقراطي الأوربي اتساع مساحة الصين وترامى أطرافها بشكل غير معهود في بقية الديمقراطيات الأخرى. ولا شك أن من أصعب الأمور على شعب حديث عهد بالنظم النيابية أن يحقق ذلك النظم تحقيقًا كاملًا في دولة في مثل حجم الصين. وقد حاول الدكتور صن أن يؤلف مجلسًا نيابيًا للصين، ولكن ذلك المجلس لم يقدر له الاجتماع قط، ولكنه حين يتم تأليفه، فسوف يكون مكونًا من ١٦٨١ من النواب، منهم ٣٩٥ نائبًا تعينهم الدولة. ويبدو

مجلة الرسالة · الجزء ٦٧٣ · الصفحة ٢٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الرسالةج ٦٧٣ · ص ٢٥