تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القصص

من الأدب الرمزي

ورقة من السماء

للقصصي الدانمركي أندرسن

بقلم السيد عارف قياسة

في أوج السماء الرفيع، في الهواء النقي الندي، طار ملاك بزهرة من رياض الفردوس. ولما لثمها أسقط ورقة منها على الثرى وسط الغابة، فما لبثت أن اتخذت جذورًا، ونمت وترعرعت بين الحشائش الأخرى. ولكن أنواع النبات لم تشأ أن تعترف بأنها واحدة منها. . . فكانت تقول: (ما أغرب هذا الغرس. .!) وكان الحَسَك والقُرَّاص أول من رقص على ثغره الهزء، ولمع في عينيه السخر. كان الحسك يقول باحتقار: (من أين أتى هذا. . .؟ هذه بذرة ضئيلة من البقول لم نر أسرع منها نموًا. . . أمن اللائق ذلك. .؟ وهل يدور في خلدها أنا نسندها حين تلويها كف الهواء. . .؟)

وجاء الشتاء، وغمر الثلج محيا البسيطة، ونفض الغرس السماوي على الثلج بهاء رائعًا، ورواء ناصعًا، كأن شعاعًا زاهيًا من الشمس رقص تحت حواشيه، فأنارها بفيض من لألائه. . .

وأتى الربيع الضحوك، وحمل الغرس زهرة ما رأت العين أنصع منها بهجة، ولا أبرع فتونًا. . .

وسمع عنها أستاذ علم النبات الذائع الصيت في البلاد، فخف إليها وشهادته الرفيعة تشهد بعلمه الجم واطلاعه الرحيب ومعرفته الغزيرة. وتأمل الغرس بإعجاب، وحلله وذاق من أوراقه

لم يكن ليشبه ما أبصرته عيناه من أعاشيب؛ وما كان في مقدوره أن يرده إلى فصيلته أو نوعه. فلم يتمالك أخيرًا أن قال: (هو غرس هجين. . . هو نبات فذ غريب؛ ذلك لا يطَّرد على قاعدة، ولا يجري على قياس). وردد الحَسَك والقُرَّاص: (ذلك لا يطَّرد على قاعدة، ولا يجري على قياس). ورأت الأشجار الفارعة الغليظة وسمعت ما كان، فلم تفه بخير ولا

مجلة الرسالة · الجزء ٣١٥ · الصفحة ٧٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الرسالةج ٣١٥ · ص ٧٣