يكونوا في كل حال من ضعفاء النفوس، وإنما كانوا في الأغلب ناسًا عقلاء يعرفون روح الزمان
والمرتزقون منهم كانوا انساقوا إلى تلك المزالق بفضل القالة الحسنة التي جعلت الشعر من أطيب ما يشتهي الملوك والخلفاء، فقد مرت أزمان كانت فيها الهبات الرسمية بابًا من الشرف قبل أن تكون بابًا من المعاش
قد يسهل على الأستاذ أحمد أمين أن يخرج من هذا المأزق بأن يلوذ بما اصطلح الناس عليه في العصر الحديث من الانصراف عن مدح الملوك، ولكنه، إن فعل، سيصطدم بصخرة قاسية، لأن الحكم الأخلاقي مرجعه إلى تصور الدواعي والأسباب، فما نتحرج منه اليوم لم يكن يتحرج منه القدماء، وما قد نعده عيبًا كان الأسلاف يعدونه من التشريف
ماذا أريد أن أقول؟
أنا أريد أن أنزه تاريخ العرب عن وصمة المعدة، والمعدة ليست وصمة إلا في ذهن الأستاذ أحمد أمين، أمدني الله وإياه بالمعدة القوية لنستطيع مواصلة الجهاد!
آمينَ آمينَ لا أرضى بواحدة ... حتى أضيف إليها ألف آمينا
أيرى القارئ أني استطعت إفحام هذا الباحث المفضال؟
لن أُفحمه حتى يشرب صبابة الكأس: (وكل صبابةً في الكأس صابُ). كما قال شوقي
أحمد أمين يقول:
(نرى في العصر العباسي طغيان أدب المعدة على أدب الروح. هذا البارودي (رحمه الله) اختار لثلاثين شاعرًا من خيرة شعراء الدولة العباسية. . . وكانت مختاراته في أربعة أجزاء كبار. فكان ما أختاره من المديح ٢٤١٨٥ بيتًا، ومن الأدب ١٦٩٧ بيتًا، ومن الغزل ٤٦١٦ بيتًا، ومن الهجاء ١٢٢٩ بيتًا، ومن الوصف ٣٩٩٣، ومن الزهد ٤٧٣ بيتًا. ونظرة واحدة إلى هذا الإحصاء تدهشنا أشد الدهش: إذ يتبين لنا طغيان أدب المعدة - وهو المديح والهجاء - على أدب الروح، طغيانًا كبيرًا).
ذلك هو أحمد أمين بقضّه وقضيضه كما كانوا يعّبرون. ذلك هو أحمد أمين الذي يدرس الأدب بالإحصاء، والذي يقيس الدواوين الشعرية بالمتر والباع والذراع.
لقد كنت أحفظ أكثر مختارات البارودي ولم يخطر ببالي أن أعّدها. فهل أستطيع اليوم أن