فكانوا يضطرون إلى وضع مختصرات تشبه المتون؛ وهذا لا يعلم الطلبة، ولا يربي فيهم ملكة البحث فاقترح - رحمه الله - أن يكتفي بدراسة بضع تراجم بحيث يدرس المترجم دراسة تفصيلية تحليلية وافيه، يرى فيها الطلاب نبراسًا يهتدون به إذا حاولوا مزاولة البحث أو تصدوا لاستقصاء أي عمل علمي؛ وحمل هو هذا العبء بادئًا ونهض به. وكان من حسن حظي أن كنت من أول من تتلمذوا عليه حين زاول هذا العمل، فاستفدنا منه أجل فائدة، وهو أول من اقترح تدريس فقه اللغة في مدرسة دار العلوم، وكان غير معروف من قبل في المدارس المصرية. وتقدم لعمل المنهج، وحمل عبء تدريسه، فقسمه قسمين: قسم فلسفي نظري يتعلق بنشأة اللغات والاشتقاق والنحت واختلاف اللهجات وغير ذلك؛ وقسم نظري يتعلق بوضع الألفاظ اللغوية للمسميات، وكان مجددًا في ذلك، فوفقه الله كل التوفيق، وجاء من بعده فاهتدوا بهديه، وساروا في نهجه.
وفي سنة ١٩٢٢ عرض عليه موظف كبير كان بوزارة المعارف أن يزج بنفسه في المعترك السياسي، وأن يحرر مقالات ينشرها في الصحف اليومية، يؤيد بها حزبًا معينًا، فأبت عليه نفسه أن يفعل، محتجًا بأن العلماء أحرى بهم ألا يكونوا ساسة، وأن ما يتطلبه العلم من الأخلاق غير ما تتطلبه السياسة.
وجميع من تخرجوا في دار العلوم من سنة ١٩٠٧ إلى سنة ١٩٣٤ تتلمذوا عليه ما عدا فرقتين اثنتين.
في الجامعة
وفي سنة ١٩٣٣ اختير أستاذًا للأدب العربي بقسم اللغة العربية بكلية الآداب، فاضطلع بذلك العمل على أكمل وجه وأتمه، فأحبه تلاميذه، وأقبلوا عليه، وأفادوا منه.
في المكتب الفني
وفي سنة ١٩٣٥ كتب إليه وزير المعارف إذ ذاك خطابًا يخبره فيه أنه يريد أن ينتفع بعلمه الواسع وتجاربه الطويلة في المكتب الفني في وزارة المعارف، فكان فيه عضوًا عاملًا؛ وكانت له مشاركة تامة في وضع مناهج اللغة العربية للمدارس الابتدائية والثانوية، وفي مراجعة الكتب العربية لهذه المدارس.