تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى ما هو أبعد من ذلك، فاعتبروا نسيان القرآن من الكبائر: «صرح به النووي في (الروضة) وغيرها، لحديث أبي داود (عرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة أو آية أوتيها رجل ثم نسيها.»

37

والاختبار هو الوسيلة التي يعرف بها المعلم أأجاد الصبي الحفظ أم لا.

وأول درجات الإجادة والامتياز أن: «يستظهر الصبي القرآن حفظا من أوله إلى آخره، مع ضبط الشكل والإعراب والفهم وحسن الخط.» 70-ب.

ويقل عن هذا درجة من «يقرأ القرآن نظرا في المصحف مع ضبط الشكل والهجاء.» 71-أ.

وآخر درجات الإجادة: «أن يملى على الصبي فلا يتهجى، ويرى الحروف فلا يضبطها، ولا يستمر في قراءتها.» 71-ب.

ومن الصبيان من يبلغ درجة البلاهة. ومقياس ذلك عند القابسي أن يختبر: «فوجد لذلك لا يحفظ ما علم، ولا يضبط ما فهم.» 72-أ.

ونحن نرى أن موازين الاختبار لا تعتمد على الذاكرة وحدها، بل على الفهم أيضا. فهي اختبار للذاكرة والذكاء معا.

ولا يجب أن نأخذ الفهم الذي ذكره القابسي على أنه مرادف للذكاء، بل هو يستند إلى الذاكرة؛ لأن إعراب الكلمات، ومعرفة المعاني القرآنية مما يتلقاه الصبيان من أفواه المعلمين ويحفظونه عنهم، ولا يصلون إليه من تلقاء أنفسهم.

ومن هنا يتضح لنا أن التربية العقلية عند القابسي تنتهي إلى كسب معلومات معينة، وتلعب الذاكرة الدور الأول في هذا الكسب، وتخص بالذات الذاكرة اللفظية؛ ومهمة الصبيان أن يحفظوا عن الكتب أو عن المعلم، وأن يعيدوا ما حفظوا دون تلعثم. والصبي الممتاز هو ذلك الذي يجيد حفظ كل ما لقن كلمة بكلمة، وحرفا بحرف.

ولسنا في حاجة إلى بيان فساد هذه الطريقة التي تعتمد على الاستظهار والتسميع؛ وقد هاجم «موتيني» هذه الطريقة في شدة، ومما يؤثر عنه قوله: «لا معرفة مع الاستظهار.»

38

وقد انتهى بعض العلماء إلى ازدراء الحفظ، والعمل على الحد من الغلو في التذكر اللفظي، فنظروا إلى الحفظ كأنه من العمليات العقلية الوضيعة، مؤيدين وجهة نظرهم بأن كثيرا من البلهاء وضعاف العقول ينعمون بذاكرة قوية، بينما بعض الأذكياء ذاكرتهم ضعيفة.

39

ولكن ازدراء الذاكرة والنظر إليها هذه النظرة القليلة الأهمية، فيه بعد عن الحقائق النفسية. وتدل نتائج البحث في الأمراض النفسية على أن فقدان الذاكرة يؤدي إلى اضطراب الحياة العقلية وفساد السلوك.

ومما لا شك فيه أن الذاكرة الجيدة تخدم علماء الطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان؛ لأنهم في حاجة إلى استظهار كثير من القوانين الرياضية والمعادلات الكيميائية التي تتألف منها مبادئ المعرفة الصحيحة الضرورية.

ولا يستطيع الإنسان إجادة اللغة دون معرفة كثير من الألفاظ وقواعد النحو والصرف.

وقد ظن كثير من علماء النفس والتربية أن هناك تعارضا بين الذكاء والذاكرة، والحقيقة على خلاف ذلك؛ لأن موهبة الذكاء وحسن التفكير مما يخدم الذاكرة في سرعة التحصيل، وجودة الحفظ، وسهولة الاسترجاع. وفي ذلك يقول وليم جيمس: «إن فن التذكر هو فن التفكير.»

40

والخلاصة أننا لا ينبغي أن ننظر إلى الذاكرة كما كان ينظر علم النفس القديم باعتبار أنها ملكة مستقلة من ملكات العقل؛ إذ الواقع أن الحياة العقلية كلها وحدة متماسكة، تتعاون فيها جميع المواهب النفسية على العمل.

قال الأستاذ بييرون: «ومكانة الذاكرة في حياة الإنسان عظيمة القدر. ومن جهة أخرى فالشخص المثقف، المضطر إلى مسايرة تقدم المعرفة على مر العصور، وهي معرفة لا تنفك عن الاتساع والانتشار بالرغم من وسائل التبسيط، هذا الشخص في حاة دائمة إلى الذاكرة. والمجتمع يزن أقدار الطلاب العقلية إذا تقدموا للوظائف بميزان ما حصلوه من الحفظ. وقد نتج عن ذلك ضرورة عملية هي بذل جهد عظيم تحمله الذاكرة.»

41

فالحياة العقلية للفرد لا تنفصل عن الحياة الاجتماعية بل هي جزء منها. والطريق الذي تسلكه الحياة العقلية يستضيء بهدي المجتمع، ويتأثر به، وفي الوقت نفسه تتشكل الحياة العقلية بحيث تلائم المجتمع.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٧٧