تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن البلاذري: «قال النبي للشفاء بنت عبد الله العدوية من رهط عمر ابن الخطاب، ألا تعلمين حفصة رقية النملة كما علمتها الكتابة؟» وكانت الشفاء كاتبة في الجاهلية.

ثم عدد البلاذري بعض النساء الكاتبات منهن «حفصة زوج النبي، وأم كلثوم بنت عقبة، وعائشة بنت سعد التي قالت: علمني أبي الكتاب.»

11

هذا ما كان من شأن المتعلمات في فجر الإسلام، وقد استمرت هذه السنة متبعة جيلا بعد جيل، فكان الأمراء يعلمون بناتهم في داخل القصر ويجلبون لهن المعلمين والمؤدبين.

ونستدل مما كتبه القابسي أن البنات كن يتعلمن في الكتاتيب حيث قال: «ومن صلاحهم ومن حسن النظر لهم ألا يخلط بين الذكران والإناث، وقد قال سحنون أكره للمعلم أن يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهن.» 57-أ.

واختلاط الجنسين في التعليم من المسائل الشائكة التي واجهها العالم من قديم الزمان، ولا يزال يواجهها حتى الآن في العصر الحاضر. والأقوال في هذه المسألة متضاربة، هل نجمعهما في التعليم، أم نفصل بينهما، وأي الأوقات أنسب لفصلهما؟

والخشية من فساد البنات لاختلاطهن بالذكور، جعلت الكثيرين يعلمونهن على حدة. قال القاضي عياض في كتاب (ترتيب المدارك): «ومن سيرة عيسى بن مسكين في غير مدة قضائه أنه كان إذا أصبح قرأ حزبا من القرآن ثم جلس للطلبة إلى العصر. فإذا كان بعد العصر دعا بنيه وبنات أخيه يعلمهن القرآن والعلم.»

12

ويبقى أن الفقهاء، ومنهم القابسي قرروا تعليم البنات للضرورة الدينية. وكان البنات يتعلمن فعلا إما في قصور الأغنياء، وهم القادرون على استحضار المؤدبين، وإما في الكتاتيب لعامة الشعب، وبذلك ساد مبدأ إلزام التعليم.

ونقول إن الانصراف في العصور المتأخرة عن تعليم البنت يرجع إلى ما سبق أن ذكرناه من الخوف من فساد البنت إذا تعلمت إلى جانب الولد، مما أدى في نهاية الأمر إلى الامتناع عن تعليم البنات في الكتاتيب. والسبب الثاني هو النصح بعدم تعليم البنت الكتابة والخط خشية فسادها أيضا. وفي ذلك يقول القابسي: «وسلامتها من تعلم الخط أنجى لها.» والقابسي يعبر عن روح العصر الذي بدأ قبل ذلك، واستمر إلى أن قضى على المرأة بالانزواء داخل جدران البيت. وقبل زمن القابسي نجد هذا الرأي منتشرا. قال الجاحظ: «لا تعلموا بناتكم الكتابة، ولا ترووهن الشعر، وعلموهن القرآن، ومن القرآن سورة النور.»

13

مما سبق يتضح لنا أن معرفة الدين هي الغاية القصوى والمطلوب الأول، وتحقيقا لهذه الغاية وجب التعليم ومعرفة القراءة والكتابة، لا في دائرة ضيقة، بل في أوسع دائرة بحيث تشمل جميع أفراد الأمة ذكورا وإناثا. (7) مناقشة الغرض من التعليم

ولم يذكر القابسي من الأغراض التي يبتغيها الإنسان حين يتعلم إلا الغرض الديني.

وقد ذكر خليل طوطح

14

أن التعليم عند المسلمين كان يرمي إلى أربعة أغراض: غرض ديني، وغرض اجتماعي، والتلذذ العقلي، وغرض مادي.

وقسمت السيدة أسماء فهمي أغراض التعليم إلى ثلاثة أقسام: غرض ديني، وغرض عقلي وثقافي، وغرض نفسي.

15

وكلاهما يأخذ هذه الأغراض من شتى المؤلفات العربية، مثل تعليم المتعلم للزرنوجي، وجامع بيان العلم لابن عبد البر، وإحياء العلوم للغزالي، وكشف الظنون لحاج خليفة، ومفتاح السعادة لطاش كبري زادة، ورسائل إخوان الصفا.

والرأي عندنا أنه لا يوجد أغراض للتربية عند العرب تعمهم على وجه الإطلاق، وإنما الصواب أن نذكر صاحب المذهب ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب. فطريقة التعليم مستمدة من مذهب صاحبها.

والغرض من التعليم عند القابسي، وهو من فقهاء أهل السنة، غرض ديني يقصد منه إلى تعلم القرآن ومعرفة العبادات المفروضة.

وقد أوجزنا القول في فصل آخر عن التربية عند العرب، وعرضنا هذه المذاهب المختلفة، لنبين أن الاختلاف في أغراض التعليم ووسائله عند المسلمين إنما يرجع إلى اختلاف هذه المذاهب العقلية.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٣٩