تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

62

غليظ الخلق، لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه، ويرى للزيادة عليه مكانا، وفيه محتمل مأمون، فلا بأس - إن شاء الله - من الزيادة على العشر ضربات، والله يعلم المفسد من المصلح. وإنما هي أعراض المسلمين وأبشارهم فلا يتهاون بنيلها بغير الحق الواجب؛ وليل أدبهم بنفسه، فقد أحب سحنون ألا يولي أحدا من الصبيان الضرب. قال أبو الحسن: ونعم ما أحب سحنون من ذلك، من قبل أن الصبيان تجري بينهم الحمية والمنازعة، فقد [56-ب] يتجاوز الصبي المطيق فيما يؤلم المضروب، فإن أمن المعلم التقي من ذلك، وعلم أن المتولي للضرب لا يتجاوز فيه، وسعه ذلك إن كان له عذر في تخلفه عن ولاية ذلك بنفسه. وليجتنب أن يضرب رأس الصبي أو وجهه، فإن سحنون قال فيه: لا يجوز أن يضربه فيهما، وضرر الضرب فيهما بين، قد يوهن الدماغ، أو تطرف العين أو يؤثر أثرا قبيحا، فليجتنبا. فالضرب في الرجلين آمن، وأحمل للألم في سلامة.

ومن رفقه بالصبيان أن الصبي إذا أرسل وراءه ليتغدى فيأذن له ولا يمنعه من طعامه وشرابه، ويأخذ عليه في سرعة الرجوع إذا فرغ من طعامه.

ومن حقهم عليه أن يعدل بينهم في التعليم، ولا يفضل بعضهم على بعض، وإن تفاضلوا في الجعل، وإن كان بعضهم يكرمه بالهدايا والأرفاق، إلا أن [57-أ] يفضل من أحب تفضيله في ساعة راحاته، بعد تفرغه من العدل بينهم. وذلك من قبل أن القليل الجعل إنما رضي أن يؤدي أداءه ذلك على إتمام تعليم ولده، كما شرط الرفيع الجعل. إلا أن يبين المعلم لآباء الصبيان أنه يفاضل بينهم على قدر ما يصل إليه من العطاء من كل واحد منهم، فيرضوا له بذلك، فيجوز له، وعليه أن يفي بما التزم من قدر ذلك.

ومن صلاحهم، ومن حسن النظر لهم، ألا يخلط بين الذكران والإناث، وقد قال سحنون: أكره للمعلم أن يعلم الجواري، ويخلطهن مع الغلمان، لأن ذلك فساد لهن.

قال أبو الحسن: وإنه لينبغي للمعلم أن يحترس الصبيان بعضهم من بعض إذا كان فيهم من يخشى فساده، يناهز الاحتلام، أو يكون له جرأة.

وعليه كما قال سحنون: أن يتفقدهم بالتعليم [57-ب] والعرض، ويجعل لعرض القرآن وقتا معلوما، مثل عشية الأربعاء يوم الخميس. قال: فينبغي له أن يجعل لهم وقتا من النهار يعلمهم فيه الكتاب، ويجعلهم يتخايرون؛

63

لأن ذلك مما يصلحهم، ويخرجهم ويبيح لهم أدب بعضهم بعضا، ولا يجاوز ثلاثا. ويجعل الكتاب، يعني في كل يوم من الضحى إلى وقت الانقلاب.

ويأخذ عليهم ألا يؤذي بعضهم بعضا، فإن شكا بعضهم أذى بعض، فقد سئل سحنون عن المعلم يأخذ الصبيان بقول بعضهم على بعض في الأذى. قال: ما أرى هذا من ناحية الحكم، وإنما على المعلم أن يؤدبهم إذا آذى بعضهم بعضا. وذلك عندي إذا استفاض على الإيذاء من الجماعة منهم، أو كان الاعتراف، إلا أن يكونوا صبيانا قد عرفهم بالصدق فيقبل قولهم، ويعاقب على ذلك، ولا يجوز

64

في الأدب [58-أ] كما أعلمتك. قال أبو الحسن: يريد كما تقدم من واحد إلى ثلاث؛ فإن استأهلوا الزيادة للأذى، فعلى قدر شدة ذلك، يريد من الثلاث إلى العشر، ويأمرهم بالكف عن الأذى، ويرد ما أخذ بعضهم لبعض، وليس هو من ناحية القضية، وكذلك سمعت من غير واحد من أصحابنا. وقد أجيزت شهادة الصبيان في القتل والجراح، فكيف هذا؟ والله أعلم. قال أبو الحسن: وما يوجد في هذا الفصل الذي تقدم أسعد

65

به من كلام سحنون، هذا وتعلم به أن على المعلم أن يتعاهدهم، ويتحفظ منهم، وينهاهم عن الربا، فإن باع بعضهم من بعض كسرة بزبيب أو زبيبا برمان، أو تفاحا بقثاء، كما ذكرت، فإن أدرك ذلك بأيديهم، رد كل واحد ما كان له، وإن أفاتوه، أعلم آبائهم بما صنعوا من ذلك فيكون غرم [58-ب] ما صار إلى كل واحد من الصبيان من صاحبه، في ماله إن كان له مال، أو يتبعه به إن لم يكن له مال، إذا وقع الاستقصاء في ذلك. وإن كان إنما أسلم بعضهم إلى بعض طعاما في طعام، فيغرم القابض مثل ما قبض، أو قيمته إن لم يكن له مثل إن كان له مال. وإلا فليتبع بما وجب عليه من ذلك، ويفسخ ما كان بينهما؛ ثم يأخذ عليهم المعلم، ويشدد عليهم في الأخذ ألا يعودوا إلى التبايع فيما بينهم، لا فيما يحل بين الأكابر، ولا فيما لا يحل. ويعرفهم وجه الربا فيما صنعوا في ذلك: يخبره بعينه، ويقبحه عنده، ويتواعده بشدة العقوبة عليه إن هو عاوده، ليتدرج على مجانبة الخطأ؛ وإذا هو أحسن، يغبطه بإحسانه في غير انبساط إليه، ولا منافرة له، ليعرف وجه الحسن من القبح، فيتدرج على اختيار الحسن [59-أ] وهذا ما يدل الاجتهاد. والله يزكي من يشاء، وهو السميع العليم.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٣١