وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير (الحديد: 4)، وقال تعالى:
إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار (المائدة: 12)، فبين عز وجل لمن عمل بطاعته، أن يعمل ذلك عملا حسنا. وكذلك قوله عز وجل:
إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (الكهف: 30)، و
إن الله لا يضيع أجر المحسنين (التوبة: 120). وما كان يمثل هذا كله، فمعنى ذلك إحسانهم ما عملوه لله عز وجل. وتفسير هذا الإحسان هو الذي جرى بين جبريل ورسول الله [10-ب]
صلى الله عليه وسلم ، من قول النبي
صلى الله عليه وسلم : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ثم أخبر أصحابه
صلى الله عليه وسلم
عن السائل، أنه جبريل يعلم الناس دينهم. فبين أن مراقبة العبيد ربهم في عبادتهم إياه، أن ذلك من دينهم ليحافظوا عليه. فافهم؛ فقد طولت لك، ليرتفع الإشكال عنك فيما فسرت لك، والله ولي التوفيق.
وأما سؤالك عن الاستقامة ما هي؟ فاعلم أن وصفها قد مر فيما تقدم من هذا الباب. وقال الله عز وجل لنبيه عليه السلام:
فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (هود: 112)، فالاستقامة هي القيام بما أمر الله به، وفي الذي قدمنا قول الله جل وعز:
أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن [10-أ] هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب (الرعد: 19). وفي وصف أولي الألباب، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل، فتلك الأوصاف كلها، من وفى بها فهو المستقيم كما أمر. وإن مما يزيدك بيانا لما وصفت لك قول الله جل وعز:
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (النساء: 65)، ثم قال:
ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا مستقيما (النساء: 66-68)، ثم قال:
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [11-ب] - إلى قوله - وكفى بالله عليما (النساء: 69-70) وقد أمر الله عز وجل في فاتحة الكتاب المؤمنين أن يقولوا:
اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين (الفاتحة: 6-7) وفسر عز وجل لهم في سورة النساء، من الذين أنعم الله عليهم، وذلك بما هداهم له من طاعته وطاعة رسوله، وقبولهم لما جاء عنهما، ففعلوا ما يوعظون به، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما. والاستقامة في الدين هي مداومة المقام فيه، على استوائه واعتداله، لا ينكب عنه يمينا ولا شمالا، ولا يلتزم منه ما لا يطيقه. قالت عائشة رضي الله عنها: كان أحب العمل إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
الذي يدوم عليه صاحبه. وقالت أيضا: سئل النبي
صلى الله عليه وسلم [12-أ] أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أدومه وإن قل. وقال: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون. وقال أبو هريرة عن النبي
صلى الله عليه وسلم : إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد
9
إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة. فافهم؛ فقد بينت لك من وصف الاستقامة ما لا يدع إن شاء الله عليك إشكالا. فاستعن بالله واقتصد، فإن ابن عباس رضي الله عنه قال: القصد والتؤدة وحسن السمت، جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة، وهذه الثلاث الخصال، تجتمع لمن ائتمر لأمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وانتهى لنهيه، وتأسى به
صلى الله عليه وسلم
في هديه. قال الله جل وعز:
لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم [12-ب] بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (النور: 63) وقال تعالى: