تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما القابسي فإنه خاطب الجمهور، وفكر في مصلحته، ونظر في فائدة أبنائه، وأهمل الكلام على الأمراء والأشراف، فلا نجد إشارة إلى هؤلاء المؤدبين الذين يصحبون أولاد الملوك لتعليمهم وتأديبهم.

ونحن نميل إلى الاعتقاد أن القابسي أهمل الحديث عن المؤدب الخاص قصدا؛ لأنه لا ينزله منزلة الاعتبار، ولا يريد أن يعترف له بالوجود، حتى يتعلم أبناء المسلمين جميعا في مكان واحد، ويتلقوا المعرفة عن معلم واحد، فلا تتسع الهوة بين الطبقات، وتسود النزعة الإسلامية الصحيحة.

ومما يدل على صحة الرأي الذي ننسبه إلى القابسي، ما ذكره عند الكلام على أجر المعلم من أن بعض الصبيان يدفع أجرا أكثر من غيره، وأن بعض الصبيان يقدم للمعلم هدايا لا يستطيع غيرهم أن يقدمها، وأن هذا الاختلاف في الجعل ينبغي ألا يترتب عليه اختلاف في التعليم، بل على العكس ينبغي أن تكون معاملة المعلم للصبيان على قدم المساواة. ومن الطبيعي أن هؤلاء الذين يدفعون أجورا عالية، إنما هم من أبناء الأغنياء لا الفقراء، وفي هذا الدليل على افتتاح أبواب الكتاتيب لجميع الصبيان على السواء، من غير اختصاص الموسرين بالمؤدبين على انفراد.

فالقابسي حين يطالب بتعليم أبناء المسلمين جميعا، القادر منهم وغير القادر، والموسر والمعسر، بل المعدم، وحين يقدم إليهم لونا واحدا وثقافة واحدة لا يخص بها أحدا دون أحد، إنما يجري في طريق التقدم العقلي، ويشرف على الإنسانية من سماء العدل والحق والخير.

وهذه هي الديموقراطية في التعليم. فكما أن هناك ديموقراطية سياسية تتناول الحقوق والواجبات، وتفسح المجال للحرية والمساواة، فكذلك هنالك ديموقراطية عقلية تفتح الأبواب لجميع الناس لينهلوا من بحور العلم التي لا تغيض. وقد كان مذهب أهل السنة مذهب الجمهور، فكان أنسب المذاهب إلى عقولهم، وأقربها إلى الديموقراطية.

وقد أشارت السيدة أسماء فهمي، وكذلك خليل طوطح، في رسالتيهما إلى الروح الديموقراطي البارز في التعليم عند العرب.

هذه الديموقراطية هي التي أوحت إلى القابسي أن يقرر تعليم البنات، بالرغم مما يعترض تعليمهن من عقبات ناشئة عن المجتمع الإسلامي وشدته، في النظر إلى علاقة الرجل بالمرأة، وغيرة المسلمين على العرض، وما جاء في القرآن من عقاب شديد للزاني والزانية. ولا ننسى أن روح المحافظة على المرأة هي التي أدت إلى الحجاب الشديد في أواخر عصور المسلمين.

والفرق بين التعليم الإلزامي كما يقرر القابسي وبين التعليم الإلزامي الذي ساد الدول التي أقرته منذ القرن التاسع عشر الميلادي، هو أن الدولة الحديثة مكلفة بالتعليم، وملزمة بافتتاح المدارس التي تسمح بتعليم جميع أفراد الدولة ذكورا وإناثا. فالتعليم واجب على الدولة، ومن جهة أخرى فهو حق من حقوق الأفراد، عليهم أن يطالبوا به، وأن يقدموا أبناءهم لتلقي التعليم في المدارس التي تنشئها الدولة. وإذا امتنع أحد عن تعليم أبنائه، حل به العقاب لمخالفته هذا الواجب. على حين أن إلزام القابسي للتعليم إلزام ديني أدبي لا إلزام قانوني، لهذا لم يضع القابسي عقابا لمن يترك ابنه دون تعليم، بل ترك هذا الوالد لعقاب الله وضميره وجزاء المجتمع فقال: «لو ظهر على أحد أنه ترك أن يعلم ولده القرآن تهاونا وبذلك لجهل وقبح ونقص حاله، ووضع عن حال أهل القناعة والرضا.»

وقد سئل القابسي عن «رجل امتنع أن يجعل ولده في الكتاب هل للإمام أن يجبره؟ وكيف إن كان له أب وله مال ولا يبالي ذلك، فهل للإمام أن يسجنه أو يضربه على ذلك أم ليس ذلك؟» وفي هذا شعور أهل ذلك الزمان بمسئولية إهمال الطفل، ومحاولة تقرير قاعدة العقوبة لمن يتخلف عن أداء هذا الواجب. ولكن القابسي لم يستطع فيما أجاب به السائل، أن يقرر هذه العقوبة؛ لأن منهجه الفقهي لا يبيح أن يقرر أمرا ليس له نص في الدين.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٠٣