تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال غير ابن الأثير: «كان الأمين فصيحا بليغا كريما»، وكيف لا يكون تلميذ الأحمر والكسائي وقطرب وحماد وغيرهم من فحول اللغة، وجهابذة البيان، وأساتذة الأدب من منثور ومنظوم فصيحا بليغا؟

على أنه من الحق والعدل أن نقرر أيضا، أن هذه الصفات تكاد تكون من سجايا كل ناجم من هذه الأسرة الباسقة الفينانة، ومن أجل هذا ذهبنا إلى ما ذهبنا إليه من أن الأمين لم يكن كما صوروه لنا من البله والسخف، ومن الخمول والبلادة، ومحال أن يكون كذلك وتصرفاته في بعض شئون الدولة على ما وصفنا، ومحال أن يكون بليدا بفطرته واستعداده، أو جاهلا غبيا؛ لأنه في الذروة من الهاشمية، وأنت تعلم مقدار اهتمام الخلفاء العباسيين والأمراء الهاشميين بالثقافة الأدبية، كما بينا لك ذلك في كلمتنا عن الحياة الأدبية والعلمية في العصر العباسي، وإنما ظروف حياة الأمين والبيئة التي أحاطت به وما إلى ذلك مما فصلناه لك، جعلت صورة الأمين كما أراناها التاريخ، ثم هي في الوقت نفسه جنحت به إلى الاستهتار، وإلى العبث والمجانة.

وقد يكون أحسن ما نختم به كلمتنا عن تحليل الأمين وسيرته، وأصدق وصف له ما ذكره الفضل بن الربيع، وزيره ووزير أبيه من قبله، والذي سنعرض لشيء من دقيق تصرفاته، وحكيم تدبيراته عندما نعرض لتفصيل النزاع بين الأمين والمأمون، فهذا الوصف ربما كان أقل تحاملا من غيره على الأمين، وربما كان خيرا من سواه في تصوير الأمين وتحليل أخلاقه ونفسيته.

ذكر الطبري أن أسد بن يزيد بن مزيد حدثه أن الفضل بن الربيع بعث إليه بعد مقتل عبد الرحمن بن جبلة الأنباري، قال: فأتيته، فلما دخلت عليه وجدته قاعدا في صحن داره، وفي يده رقعة قد قرأها واحمرت عيناه واشتد غضبه وهو يقول: ينام نوم الظربان، لا يفكر في زوال نعمة، ولا يتروي في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد ألهاه كأسه، وشغله قدحه، فهو يجري في لهوه والأيام تسرع في هلاكه، قد شمر عبد الله له عن ساقه، وفوق له أصيب أسهمه، يرميه على بعد الدار بالحتف النافذ والموت القاصد، قد عبى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنة الرماح وشفار السيوف. ثم استرجع وتمثل بشعر البعيث:

ومجدولة جدل العنان خريدة

لها شعر جعد ووجه مقسم

وثغر نقي اللون عذب مذاقه

تضيء له الظلماء ساعة يبسم

وثديان كالحقين والبطن ضامر

خميص وجهر ناره تتضرم

لهوت بها ليل التمام ابن خالد

علي بمرو الروذ غيظا تجرم

أظل أناغيها وتحت ابن خالد

أمية نهد المركلين عثمثم

طواها طراد الخيل في كل غارة

لها عارض فيه الأسنة ترزم

يقارع أتراك ابن خاقان ليله

إلى أن يرى الإصباح لا يتلعثم

فيصبح من طول الطراد وجسمه

نحيل وأضحي في النعيم أصمم

فشتان ما بيني وبين ابن خالد

أمية في الرزق الذي الله قاسم

ثم التفت إلي فقال: «يا أبا الحارث، إنا وإياك لنجري إلى غاية، إن قصرنا عنها ذممنا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا، إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمة الوكعاء يشاور النساء، ويعتزم على الرؤيا، وقد أمكن بمسامعه ما معه من أهل اللهو والجسارة، فهو يعدونه الظفر ويمنونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، وقد خشيت والله أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه.»

الفصل الثاني

| المأمون

(1) توطئة

لننتقل الآن إلى حداثة المأمون، ولنتبع في دراستنا له نفس الطريقة التي ترسمناها حين دراستنا لحداثة الأمين، فنتكلم عن مولده، كما نتكلم عن نشأته وأخلاقه محاولين أن نجمع شتات المعلومات التاريخية في هذا الصدد، وأن ننظر فيها نظرة تفهم واستيعاب وإمعان ومقارنة وموازنة بما يقتضيه المقام من إجمال وإيجاز. (2) مولده

ولد عبد الله المأمون لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة هجرية، وهي التي استخلف فيها الرشيد، فلما بشر بمولده سر به سرورا عظيما، وسماه المأمون تيمنا بذلك، وأمه أم ولد باذغشية تسمى «مراجل»، ويقال: إنها تمت إلى أسرة عريقة في المجد من الأسر الفارسية.

عصر المأمون · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٩١