تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقال أبو نواس يمدحه:

سخر الله للأمين مطايا

لم تسخر لصاحب المحراب

فإذا ما ركابه سرن برا

سار في الماء راكبا ليث غاب

أسدا باسطا ذراعيه يهوى

أهرت الشدق كالح الأنياب

لا يعانيه باللجام ولا السو

ط ولا غمز رجله في الركاب

عجب الناس إذ رأوك على صو

رة ليث تمر مر السحاب

سبحوا إذ رأوك سرت عليه

كيف لو أبصروك فوق العقاب؟!

ذات زور ومنسر وجناحي

ن تشق العباب بعد العباب

تسبق الطير في السماء إذا ما اس

تعجلوها بجيئة وذهاب

بارك الله للأمير وأبقا

ه وأبقى له رداء الشباب

ملك تقصر المدائح عنه

هاشمي موفق للصواب

على أنه يصح التساؤل: من أين للخليفة ما يكفيه من الأموال الطائلة والثروات الوفيرة لسد مطامعه، ولإجابته إلى شتى مناعمه؟

وإنا نظن أنه يكفيك أن تنظر أيضا فيما تنظر إليه من مختلف مصادر المال، من خراج - ربما كان ظالما - وجبايا هائلة مروعة، وموازين غنية، وضرائب مبالغ في فرضها، إلى باب الاستصفاء وحده وما ينجم عنه وعن نكبة الوزراء والكبراء. وحبذا لو وفق لدراسته بعض الباحثين في التاريخ الإسلامي؛ فهو هام وهو خطير.

ثم انظر ما ذكره الحسين بن الضحاك، وهو شاعر الأمين كما تعلم، قال: ابتنى الأمير سفينة عظيمة أنفق عليها ثلاثة آلاف ألف درهم، واتخذ أخرى على خلقة شيء يكون في البحر يقال له: «الدلفين»، فقال في ذلك أبو نواس:

قد ركب الدلفين بدر الدجى

مقتحما في الماء قد لججا

فأشرقت دجلة في حسنه

وأشرق السكان واستبهجا

لم تر عيني مثله مركبا

أحسن إن سار وإن أحنجا

إذا استحثته مجاذيفه

أعنق فوق الماء أو هملجا

خص به الله الأمين الذي

أضحى بتاج الملك قد توجا

ثم لتتدبر معي ما يرويه لنا أحد الأمناء بقصر الرشيد، وهو حسين خادم الرشيد، فإنه يقول: إن الخلافة لما صارت إلى محمد هيئ له منزل من منازله على الشط بفرش أجود ما يكون من فرش الخلافة وأسواه، فقال: يا سيدي، لم يكن لأبيك فرش يباهي به الملوك والوفود الذين يردون عليه أحسن من هذا، فأحببت أن أفرشه لك، قال: فأحببت أن يفرش لي في أول خلافتي المردراج! قال: مزقوه! قال: فرأيت والله الخدم الفراشين قد صيروه ممزقا وفرقوه.

وهناك مئات من الشواهد التي يرويها المعاصرون، أمثال مخارق المغني، وأبي عبادة البحتري عن مشيخته، والعباس بن الفضل بن الربيع، وكوثر وغيرهم، عن سرف الأمين وبذخه ولهوه وعبثه، يصح أن ترجع إليها في مظانها، وكلها تؤيد صدق اللباب والجوهر.

فمن ذلك ما يرويه لنا حميد بن سعيد، من أن محمدا الأمين لما ملك وكاتبه عبد الله المأمون وأعطاه بيعته؛ طلب الخصيان وابتاعهم وغالى بهم وصيرهم لخلوته في ليله ونهاره، وقوام طعامه وشرابه وأمره ونهيه، وفرض لهم فرضا سماهم الجرادية، وفرضا من الحبشان سماهم الغرابية، ورفض النساء الحرائر والإماء حتى رمى بهم، وحتى قال في ذلك بعض شعراء العصر وقد ذكر أسماء بعضهم وحال الأمين معهم:

ألا يا مزمن المثوى بطوس

غريبا ما يفادى بالنفوس

لقد أبقيت للخصيان بعلا

تحمل منهم شؤم البسوس

فأما نوفل فالشأن فيه

وفي بدر فيا لك من جليس

وما العصمي بشار لديه

إذا ذكروا بذي سهم خسيس

وما حسن الصغير أخس حالا

لديه عند مخترق الكئوس

لهم من عمره شطر وشطر

يعاقر فيه شرب الخندريس

وما للغانيات لديه حظ

سوى التقطيب بالوجه العبوس

إذا كان الرئيس كذا سقيما

فكيف صلاحنا بعد الرئيس

فلو علم المقيم بدار طوس

لعز على المقيم بدار طوس

وفي الحق أن قصف الأمين وانهماكه في لهوه وغلوه في عبثه، واستهتاره في مرحه، واشتغاله بوجه خاص بخدمه، قد جر عليه وبالا كثيرا، وشرا مستطيرا، ونفر منه قلوب العقلاء من مشايعيه ومناصريه، والأقوياء من مؤيديه وذويه.

من أمثال ذلك ما ذكروه عن العباس بن عبد الله بن جعفر، وهو من رجالات بني هاشم جلدا وعقلا وصنيعا، وكان يتخذ الخدم كطبيعة حياة المترفين في ذلك العصر، قالوا: كان له خادم من آثر خدمه عنده يقال له منصور، فوجد الخادم عليه فهرب إلى محمد وأتاه وهو بقصر أم جعفر المعروف بالقرار، فقبله محمد أحسن قبول، وحظي عنده حظوة عجيبة، فركب الخادم يوما في جماعة خدم كانوا لمحمد يقال لهم السيافة، فمر بباب العباس بن عبد الله، يريد بذلك أن يري خدم العباس هيئته وحاله التي هو عليها، وبلغ ذلك الخبر العباس، فخرج إليه وقامت معركة، وكادوا يحرقون دار العباس، وقبض الأمين على العباس وهم أن يقتله لولا وساطة أم جعفر من ناحية، واشتغاله بخروج الحسين بن علي بن ماهان عليه وانضمامه إلى المأمون من ناحية أخرى.

عصر المأمون · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٨٨