فلنلاحظ هذه العبادة لأقطاب من زعماء الفرس لعبوا دورا هاما في التاريخ العباسي، ولنلاحظها جيدا؛ فربما أفادتنا في إماطة اللثام قليلا عن عبادات لفئات عديدة اعتبرت زنادقة أو مانية أو ملحدين، ومهما كانت هذه الفئات موضع اضطهاد من خلفاء العصر؛ فإن من المبالغة الكتابية التي لا ترضي العلم ولا التاريخ في شيء ألا يحفل بها، أو لا يشار إليها إشارة طفيفة إذا لم يكن لدينا من المواد ما يسمح لنا بأن نفرد لدراستها بابا، كما حفل بها الخلفاء فأفردوا لها إدارة أسموا رئيسها «صاحب الزنادقة».
ولعل أول ذكر لبرمكي حفل به التاريخ واعتبره مؤسسا لتلك الأسرة البرمكية التي نبغت في تلك الأيام الزاهية الزاهرة، والتي امتدت إلى أن انقضت في أيام الرشيد، ونظر إليه باعتباره جد البرامكة هو: خالد بن برمك الذي استوزره السفاح بعد أبي سلمة الخلال وأبي الجهم.
كان خالد بن برمك من رجالات الدولة العباسية فاضلا جليلا كريما حازما يقظا، استوزره السفاح وخف على قلبه، وكان يسمى وزيرا، وقيل: إن كل من استوزر بعد أبي سلمة كان يتجنب أن يسمى وزيرا؛ تطيرا مما جرى على أبي سلمة، ولقول من قال:
إن الوزير وزير آل محمد
أودى فمن يشناك كان وزيرا
قالوا: فكان خالد بن برمك يعمل عمل الوزراء ولا يسمى وزيرا ... كان خالد عظيم المنزلة عند الخلفاء، قيل: إن السفاح قال له يوما: يا خالد، ما رضيت حتى استخدمتني! ففزع خالد وقال: كيف يا أمير المؤمنين وأنا عبدك وخادمك؟! فضحك وقال: إن ريطة ابنتي تنام مع ابنتك في مكان واحد، فأقوم بالليل فأجدهما قد سرح الغطاء عنهما، فأرده عليهما. فقبل خالد يده وقال: مولى يكتسب الأجر في عبده وأمته.
وكثر الوافدون على باب خالد بن برمك، ومدحه الشعراء، وانتجعه الناس، وكان الوافدون يسمون سؤالا، فقال خالد: إني أستقبح هذا الاسم لمثل هؤلاء وفيهم الأشراف والأكابر! فسماهم الزوار، وكان خالد أول من سماهم بذلك، فقال له بعضهم: والله ما ندري أي أياديك عندنا أجل، أصلتنا أم تسميتنا؟
ولقد مدحه بشار بن برد فقال فيه:
لعمري لقد أجدى علي ابن برمك
وما كل من كان الغنى عنده يجدي
حلبت بشعري راحتيه فدرتا
سماحا كما در السحاب مع الرعد
إذا جئته للحمد أشرق وجهه
إليك وأعطاك الكرامة بالحمد
له نعم في القوم لا يستثيبها
جزاء وكيل التاجر المد بالمد
مفيد ومتلاف سبيل ثرائه
إذا ما غدا أو راح كالجزر والمد
أخالد إن الحمد يبقى لأهله
جمالا ولا تبقى الكنوز على الكد
فأطعم وكل من عارة مستردة
ولا تبقها إن العواري للرد
فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم، وكان قبل ذلك يعيطه في كل وفادة خمسة آلاف درهم، وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان الأخيران في صدر مجلسه الذي كان يجلس فيه، وقال ابنه يحيى: آخر ما أوصاني به أبي العمل بهذين البيتين.
ولقد أشرنا في كلمتنا عن الهادي إلى مبلغ إخلاص يحيى بن خالد البرمكي للرشيد في أيام الهادي حينما شرع في خلع هارون من ولاية العهد، وإن الأخبار التي رواها الطبري في سنة سبعين ومائة ناطقة بولاء يحيى وصدق إخلاصه.
ويجدر بنا هنا أن نقتطف موقفين كمثل لمواقف يحيى مع الهادي ذودا عن الرشيد وحقوق الرشيد؛ فإنهما يعطياننا صورة من إخلاص آل برمك للرشيد ومبلغ ما روع به يحيى في سبيل الرشيد.
ذكر أبو حفص الكرماني أن محمد بن يحيى البرمكي حدثه قال: بعث الهادي إلى يحيى ليلا، فأيس من نفسه وودع أهله وتحنط وجدد ثيابه ولم يشك في أنه يقتله، فلما أدخل عليه قال: يا يحيى، مالي ولك؟ قال: أنا عبدك، يا أمير المؤمنين، فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته، قال: فلم تدخل بيني وبين أخي تفسده علي؟ قال: يا أمير المؤمنين، من أنا حتى أدخل بينكما، إنما صيرني المهدي معه، وأمرني بالقيام بأمره، فقمت بما أمرني به، ثم أمرتني بذلك فانتهيت إلى أمرك، قال: فما الذي صنع هارون؟ قال: ما صنع شيئا ولا ذلك فيه ولا عنده، قال: فسكن غضبه. وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع فقال له يحيى: لا تفعل، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء، فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي؟ وكان هارون يجد بأم جعفر وجدا شديدا، فقال له يحيى: وأين هذا من الخلافة؟ ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع. ومنعه من الإجابة.