وهذه الرواية يؤيدها أكثر المؤرخين من العرب. وقد فعل أبو مسلم مع سليمان بن كثير - وكان من أركان هذه الدولة - ما يضيف حلقة إلى سلسلة الاضطهادات التي ارتكبت تأييدا لهذا الملك، فقد أحضره إليه وقال له: أتحفظ قول الإمام لي: «من اتهمته فاقتله؟» قال: نعم، قال: فإني قد اتهمتك. فخاف سليمان وقال: أناشدك الله! قال: لا تناشدني؛ فأنت منطو على غش الإمام. وأمر بضرب عنقه.
وقد سئم الناس هذه الحالة وثار بعض أمراء بني العباس أنفسهم احتجاجا على ما أريق من الدماء، فقد جاء في الأغاني في أخبار عبد الله بن عمر العقيلي الشاعر المخضرم، أن محمد بن عبد الله لما سمع للعقيلي قصيدته التي مطلعها:
تقول أمامة لما رأت
نشوزي عن المضجع الأنفس
والتي ختامها:
فما أنس لا أنس قتلاهم
ولا عاش بعدهم من نسي
بكى واستعبر، فقال له عمه الحسن بن الحسن بن علي: أتبكي على بني أمية وأنت تريد ببني العباس ما تريد؟! فقال: «والله يا عم، لقد كنا نقمنا على بني أمية ما نقمنا، فما بنو العباس إلا أقل خوفا لله منهم، وإن الحجة على بني العباس لأوجب منها عليهم، ولقد كانت للقوم أخلاق ومكارم ليست لأبي جعفر.»
وذكر الأصفهاني أيضا أن محمدا وآله وهبوا للشاعر مالا لمدحته تلك، وهكذا تغيرت نفوس آل البيت من إسراف العباسيين في الفتك والقتل.
1 •••
وماذا كان حظ أبي مسلم؟ وكيف كان جزاؤه على ذلك الإخلاص الدموي؟ كان جزاؤه أن قتل بيد الخليفة نفسه عملا بسنته المعروفة: «اقتل من اتهمته»، مع أنه كان لا يقطع أمرا دونه.
وقد ذكر الجاحظ أن المنصور لما هم بقتل أبي مسلم سقط بين الاستبداد برأيه والمشاورة فيه، فأرق في ذلك ليلته، فلما أصبح دعا بإسحاق بن مسلم العقيلي، فقال له: حدثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحران، قال: أخبرني أبي عن الحصين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس - يقال له: سابور الأكبر - كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجهه سابور داعية إلى خراسان، وكانوا قوما عجما يعظمون الدين جهالة بالدين، ويخلون بالدين استكانة لقوة الدنيا وذلا لجبابرتها، فجمعهم على دعوة من الهوى يكيد به مطالب الدنيا، واعتز بقتل ملوكهم لهم وتخولهم إياهم - وكان يقال: لكل ضعيف صولة، ولكل ذليل دولة - فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقح استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها، فانتقل العز إلى أرذلهم، والنباهة إلى أخملهم، فأشربوا له حبا مع خفض من الدنيا افتتح بدعوة من الدين، فلما استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم وما أحال عليه من طاعتهم، ولم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم - وكان يقال:
وما قطع الرجاء بمثل يأس
تبادهه القلوب على اغترار
فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، فبغتهم بحدث فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة وتخطف الأعداء، وتفرق الجماعة، واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة، وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه. فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه وهو يقول:
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا
وما علم الإنسان إلا ليعلما
وأمر إسحاق بالخروج ودعا بأبي مسلم، فلما نظر إليه داخلا قال:
قد اكتنفتك خلات ثلاث
جلبن عليك محذور الحمام
خلافك وامتنانك ترتميني
وقودك للجماهير العظام
ثم وثب إليه ووثب معه بعض حشمه بالسيوف، فلما رآهم وثب فبدره المنصور فضربه ضربة طوحه منها، ثم قال:
اشرب بكأس كنت تسقي بها
أمر في الحلق من العلقم
زعمت أن الدين لا يقتضى
كذبت فاستوف أبا مجرم
ثم أمر فخز رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا حوله ساعة ثم ردهم عن شغبهم انقطاعهم عن بلادهم وإحاطة الأعداء بهم، فذلوا وسلموا له، فكان إسحاق إذا رأى المنصور قال: