ثم انظر كيف انتقم من بسر رجل من اليمن اتصل به حتى وثق به، ثم احتال لقتل ابنيه، فخرج بهما إلى وادي أوطاس
3
فقتلهما وهرب.
على أنه يجدر بنا أن نصور إلى أي مدى بلغت نتائج خطط الأمويين السياسية، من حيث بثهم البغضاء في النفوس لعلي وشيعته، وصرف الناس عن ذكرهم، وما كان من لعنهم على المنابر من تأثير خليق بعنايتنا، ومراجعنا في هذه الناحية عدة مصادر، بيد أنا نجتزئ اجتزاء، ونحيل القارئ إلى ما رواه ابن عائشة عن شعور رجل من الشام نحو حفيد علي، وقد نقل ذلك المبرد في الكامل.
ولننظر كذلك إلى مدى الأحزاب الدينية وأضدادها التي كانت نتيجة لازمة لآثار التعسف المذهبي والتحزب الديني، وقد ذكر البيروني في «الآثار الباقية» طرفا من ذلك، ونجتزئ هنا بشيء مما جاء في «المواهب الفتحية» لأستاذنا المرحوم الشيخ حمزة فتح الله، قال: ما أحسن قول أبي الحسين الجزار خصوصا في بيتيه الثالث والخامس:
ويعود عاشوراء يذكرني
رزء الحسين فليت لم يعد
أم ليت عينا فيه قد كحلت
بإثمد لم تخل من رمد
ويدا به لشماتة خضبت
مقطوعة من زندها بيدي
يوم سبيلي حين أذكره
ألا يدور الصبر في خلدي
أما وقد قتل الحسين به
فأبو الحسين أحق بالكمد
ولبعض الهاشميين معتذرا من الكحل يوم عاشوراء:
لم أكتحل في صباح يوم
أهريق فيه دم الحسين
إلا لحزني وذاك أني
سودت حتى بياض عيني
إلى غير ذلك مما أثبته المؤلف لعمارة اليمني والإمام ابن الجوزي مما لا سبيل إلى الاستطراد فيه ههنا.
ولننظر إلى حادثة رواها المسعودي في «مروج الذهب» قال: «لما طلب عبد الله بن علي مروان ونزل بالشام، وجه إلى أبي العباس أشياخا من أهل الشام من أرباب النعم والرياسة، فحلفوا لأبي العباس السفاح ما علموا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
قرابة ولا أهل بيت يرثونه غير بني أمية حتى وليتم الخلافة! فقال في ذلك إبراهيم بن المهاجر:
أيها الناس اسمعوا أخبركم
عجبا زاد على كل العجب
عجبا من عبد شمس إنهم
فتحوا للناس أبواب الكذب
ورثوا أحمد فيما زعموا
دون عباس بن عبد المطلب
كذبوا والله ما نعلمه
يحرز الميراث إلا من قرب.»
ولنلم الآن إلمامة عجلى بما كان للتعسف المذهبي من الأثر في نفوس الخوارج، محيلين إلى الكامل للمبرد من أراد توسعا وتبصرا، ونكتفي هنا بنقل مثل من الطبري يظهر لنا مقدار استماتتهم في سبيل نصرة مذهبهم مهما نالهم من تقتيل ، وأمامنا حوادث سنة خمسين التي يقول فيها الطبري: إن عبيد الله بن زياد اشتد فيها على الخوارج فقتل منهم صبرا جماعة كثيرة، وفي الحرب جماعة أخرى، ويقول عنهم في موضع آخر: خرج مرداس أبو بلال، وهو من بني ربيعة بن حنظلة، في أربعين رجلا إلى الأهواز، فبعث إليهم ابن زياد جيشا عليهم ابن حصن التميمي، فقتلوا في أصحابه وهزموه، فقال رجل من بني تيم الله بن ثعلبة:
أألفا مؤمن منكم زعمتم
ويقتلهم بآسك
4
أربعونا
كذبتم ليس ذاك كما زعمتم
ولكن الخوارج مؤمنونا
هي الفئة القليلة قد علمتم
على الفئة الكثيرة ينصرونا
| هوامش
الفصل الرابع
| ولاية العهد
(1) نظام ولاية العهد وابن خلدون
قال ابن خلدون في مقدمته: «إن معاوية عهد إلى يزيد خوفا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه.» ثم زاد هذا توضيحا في مكان آخر من مقدمته فقال: «إن الذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم، باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية، إذ بنو أمية يومئذ لا يرضون سواهم، وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره بذلك دون غيره ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء.»
لسنا هنا في موقف الراغب في تحليل أقوال مؤرخنا الكبير، وهل أصاب محجة الصواب في تعليله ما دفع معاوية إلى عقد البيعة ليزيد، ولكنا صدرنا هذا الباب بكلمة ابن خلدون لنصور سر قبول العرب، لأول عهدهم، نظام ولاية العهد عامة، والوراثي خاصة، وما قبولهم إياه إلا لأن شوكة يزيد يومئذ مستمدة من عصابة بني أمية كلها، وجمهور أهل الحل والعقد من قريش، وبذلك تستتبع عصبية مضر أجمع، وعصبيتهم أعظم من كل شوكة؛ إذ لا تطاق مقاومتهم، ومن هنا أقصى العرب عن يزيد، وأقاموا على الدعاء بهدايته والراحة منه. ولعل هذا يكشف عن سبب فشل الحسين بن علي وابن الزبير في مطالبتهما بالخلافة كما بين ذلك ابن خلدون مما لا حاجة بنا للتعرض له الآن.