تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مثل هذا الخبر له قيمته التاريخية في تعرف حال الدولة العربية في ذلك الحين، ولو جاز لنا أن نحلل لنظرنا طويلا في قول القعقاع بن خالد: «ومن يطيق ابن هبيرة؟ حبابة بالليل وهداياه بالنهار، مع أنه وإن كان بلغ فإنه رجل من بني سكين.» فإنه لا يفيدنا في تفهم وقوع الخليفة تحت سلطان عشيقته، ولا في قبوله للرشا فحسب، بل يفيدنا فهم تحول العصبيات العربية الأخيرة، ومبلغ نظر العربي إلى سواه.

أما استخفاف الوليد بن يزيد بالدين، وخمرياته التي فاقت خمريات يزيد بن معاوية، والتي نرى أن لها أثرا كبيرا في أبي نواس وحسين بن الضحاك، وبركة الخمر التي احتواها قصره، فإن أمهات كتب الأدب العربي ومظان التاريخ مفعمة من ذلك بما لا نتعرض له في هذه العجالة بأكثر من إحالة القارئ على ما قاله الوليد في القرآن، وما أحصاه بعضهم له من عدد الأقداح التي شربها في ليلة من ليالي شرابه؛ إذ أثبت صاحب الأغاني أنها سبعون قدحا، وإن كنا نفترض في مثل هذه الأحوال جنوح الرواة إلى المبالغة والإغراق، ثم لتنظر معنا فيما يقوله ابن الأثير عنه حين ولاه هشام الحج، فإنه يخبرنا أنه لما أراد هشام أن يقطع عنه ندماءه ولاه الحج سنة ست عشرة ومائة، فحمل معه كلابا في صناديق، وعمل قبة على قدر الكعبة ليضعها على الكعبة، وحمل معه الخمر وأراد أن تنصب القبة على الكعبة وتشرب فيها الخمر. وقد أيد المؤرخون هذه الحادثة، ويقول اليعقوبي: إن الوليد بعث مهندسا ليقوم بذلك.

ثم انظر إلى بيعه خالدا القسري إلى يوسف بن عمر بخمسين ألف ألف، وما رواه المؤرخون من إرساله إلى خالد قائلا له: «إن يوسف يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن كنت تضمنها وإلا دفعتك إليه.» فأجابه خالد بأحسن جواب إذ قال له: «ما عهدت العرب تباع، والله لو سألتني أن أضمن عودا ما ضمنته.» ومع ذلك فقد دفعه إلى يوسف فعذبه وقتله!

ثم لننظر إلى نظر الرأي العام إليه وإلى تصرفاته، وأمامنا من ذلك شعر حمزة بن بيض فيه إذ يقول:

يا وليد الخنا تركت الطريقا

واضحا وارتكبت فجا عميقا

وتماديت واعتديت وأسرف

ت وأغويت وانبعثت فسوقا

أبدا هات ثم هات وهات

ثم هات حتى تخر صعيقا

أنت سكران ما تفيق فما تر

تق فتقا وقد فتقت فتوقا

وإنا نثبت هنا أيضا ما دار بين الوليد بن يزيد حين حوصر في قصره ويزيد بن عنبسة السكسكي، فقد قال له الوليد: «يا أخا السكاسك، ألم أزد في أعطياتكم؟! ألم أرفع المؤن عنكم؟! ألم أعط فقراءكم؟! ألم أخدم زمناكم؟!» قال: «إنا ما ننقم عليك في أنفسنا، وإنما ننقم عليك في انتهاك ما حرم الله وشرب الخمر، ونكاح أمهات أولاد أبيك، واستخفافك بأمر الله.»

ولتنظر معي أيضا إلى عبد الملك بن مروان، وهو من الخلفاء الثلاثة المعدودين أقطابا لهذه الدولة، وإلى ما كان من جبروته وضعف الوازع الديني عنده حتى استباح لنفسه أن يقول وهو على المنبر: «من قال لي بعد مقامي هذا: اتق الله؛ ضربت عنقه.»

وبعد، فإنه ليخيل إلينا أن فيما قدمناه بعض المقنع بما كان من استهانة الخلفاء بالدين، ومن إمعانهم في التهتك والخروج عليه.

ونريد الآن أن ندرس تأثر الخلق العربي بما كان للخلفاء من تنكب عن سنن الدين، وإمعان في التهتك والاستهتار، والناس على دين ملوكهم، والملوك على سنة رعيتهم، أو كما يقول عبد الملك بن مروان: «تطلبون منا أن نسير فيكم بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر ولا تسيرون أنتم بسيرة الناس أيام أبي بكر وعمر.» على أنا نرغم أنفسنا إرغاما على أن نكتفي في هذا الفصل الذي كادت تتشعب علينا فروعه ونواحيه، وكدنا نضل في مهامهه وبواديه بمثلين قد لا يخلوان من النفع، وعمدتنا في ذلك الأغاني، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وإن كان المثل الأخير هو إلى الأدب والعظة أقرب منه إلى التاريخ والتحليل العلمي، بيد أنا آثرنا إيراده لأنه حسن في نفسه، ومصيب محجة الصواب في جملته.

عصر المأمون · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٨